هل تشعر أحيانًا وكأنك تمتص مشاعر الآخرين؟ كثيرًا ما يُطلق الناس على أنفسهم لقب "متعاطف" - أي شخص يشعر بالأمور بعمق شديد لدرجة قد تُشعره بالإرهاق. على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه الصفة شائعة، وبينما يحتفي بها البعض كميزة، يراها آخرون نقمة.
لاحظتُ كم هو سهلٌ أن "ألتقط" توتر الآخرين. يُشاركني صديقٌ قلقه، فأشعر به فجأةً في جسدي. تساءلتُ أحياناً: هل حساسيتي المفرطة وتأثري بالآخرين يعني أن هناك خطباً ما بي؟
في "سيكس سيكوندز"، لا ننظر إلى التعاطف على أنه ضعف، بل كإحدى أقوى القدرات في الذكاء العاطفي. عندما تُحسن استخدامه، يصبح التعاطف مصدر قوة وتواصل ومرونة. لذا، دعونا نتعمق في الخرافات والأبحاث المتعلقة بالتعاطف.
متعاطف أم تعاطف؟ دحض أسطورة "الشخصية الحساسة"
توحي كلمة "متعاطف" بنوع خاص من الأشخاص الذين يُفترض بهم أن يشعروا بمشاعر الآخرين بعمق أكبر من غيرهم. هذه هي الخرافة الأولى: التعاطف ليس سمة نادرة، بل هو قدرة إنسانية.
تُظهر مراجعات علم الأعصاب وعلم الأعصاب الاجتماعي أنه عندما نتفاعل مع الحالات العاطفية للآخرين، فإن مناطق الدماغ المسؤولة عن المعالجة العاطفية المشتركة - بما في ذلك الفص الجزيري الأمامي وأجزاء من القشرة الحزامية - غالبًا ما تنشط، مما يعكس التداخل العصبي بين تجارب الذات وتجارب الآخرين ( سينغر ولام، 2009 ؛ زاكي وآخرون، 2009 ؛ فالون وآخرون، 2020 ). هكذا نختبر التعاطف.
يختلف الأمر بين الناس في مدى قوة وتكرار تفاعل هذه الأنظمة، وما إذا كانت متوازنة بأنظمة دماغية تُبقينا متجذرين في الواقع وتضع عواطفنا في سياقها الصحيح. فبدون هذا التوازن، قد تُطمس رسائل التعاطف القوية الخط الفاصل بين مشاعرك ومشاعر الآخرين. أما مع التوازن، فيُمكن للتعاطف أن يُساعدك على التواصل مع الآخرين مع الحفاظ على صدق مشاعرك، ليُصبح مهارةً يُمكننا صقلها لبناء الثقة والعلاقات. نرى هذه المفارقة بوضوح في مجال الرعاية الصحية. ففي إحدى الدراسات التي أُجريت على الممرضات، رُبط ارتفاع مستوى التعاطف العاطفي بالإرهاق العاطفي - وهو مثالٌ حيٌّ لما يحدث عندما يطغى التأثر العاطفي على التنظيم الذاتي ( دوارته وآخرون، 2016 ).
التعاطف مقابل الشفقة: لماذا يغير الشعور مع شخص ما كل شيء
كثيرًا ما يختلط مفهوم التعاطف بالشفقة، لكنهما ليسا متطابقين. الشفقة تعني الشعور بالألم تجاه شخص ما: "أنا آسف جدًا لما يحدث". أما التعاطف فيعني الشعور بما يشعر به الشخص: "أتفهم تمامًا مدى صعوبة هذا الأمر".
هذا التمييز مهم. فالتعاطف قد يخلق مسافة بين الناس، إذ يُخاطر بوضع أحدهم في مرتبة أدنى من الآخر. أما التعاطف الحقيقي فيخلق تواصلاً، وشعوراً بأننا "معاً في هذا".
يسود اعتقاد خاطئ بأن التعاطف والشفقة مترادفان. في الواقع، التعاطف متعدد الأبعاد. يُصنّف علماء النفس ثلاثة أنواع على الأقل: التعاطف المعرفي (فهم وجهة نظر الآخر)، والتعاطف العاطفي (الشعور معه)، والتعاطف العملي (تحويل هذا الشعور إلى خطوات دعم). تُظهر أبحاث علم الأعصاب وعلم النفس أن التعاطف - خاصةً عندما يُفضي إلى عمل - يُنبئ بسلوك اجتماعي إيجابي كالمساعدة والرعاية والتعاون ، بينما لا يُؤدي الشفقة بالضرورة إلى هذه النتائج ( باتسون، 2011 ؛ ديسيتي وكويل، 2014 ).
يكمن التحدي في أن التعاطف قد يبدو أكثر أمانًا، لأنه يُقرّ بألم الآخر دون أن يُلزمنا بالانخراط فيه. لكن الفرصة أعمق من ذلك: فالتعاطف الحقيقي يتطلب منا أكثر من ذلك، ويفتح لنا باب العمل. سواء أكان ذلك بتقديم المساعدة، أو طرح سؤالٍ مُعمّق، أو مجرد التواجد، فإن التعاطف الحقيقي ينقلنا من مجرد الإدراك إلى الاستجابة - وهنا تُبنى الثقة الحقيقية والتغيير.

القوة الخارقة للتعاطف: قوة خفية للقادة والفرق
الخرافة الشائعة هي أن التعاطف يجعلنا هشين أو مفرطين في العاطفة. والحقيقة هي عكس ذلك تمامًا: فالتعاطف لا يجعلنا أضعف، بل يجعلنا أكثر حكمة.
عندما نمارس التعاطف بتوازن، يصبح ذلك ميزة قيادية تُسهم في اتخاذ قرارات أفضل وبناء علاقات أقوى. ويمكن أن يتجلى التعاطف في أربع سمات قيادية تؤثر بشكل مباشر على أداء الفريق:
- اقرأ الوضع من خلال ملاحظة الديناميكيات غير المعلنة التي تشكل النتائج.
- ابنِ الثقة بسرعة من خلال جعل الناس يشعرون بأنهم مرئيون ومفهومون ومتصلون.
- عزز التعاون من خلال إتاحة المجال لوجهات نظر متعددة.
- أشعل شرارة الابتكار من خلال النظر إلى المشاكل من منظور الآخرين.
يكمن التحدي في أن بعض القادة يترددون في الاعتماد على التعاطف، خشية أن يُظهرهم ذلك بمظهر الضعف أو يُبطئ عملية اتخاذ القرارات. إلا أن الفرصة أكبر بكثير: فالتعاطف يُعمّق الفهم، ويُعزز الثقة، ويُحسّن التفاعل في بيئة العمل.
تؤكد الأبحاث هذا الأمر. فقد وجدت دراسة حديثة أن القادة الذين جمعوا بين التعاطف والتنظيم الذاتي كانوا أكثر فعالية في بناء المرونة في فرقهم والحد من نية ترك العمل (ويبوو، 2022 ). وتشير أبحاث أخرى إلى أن القادة الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من التعاطف يُقيّمون باستمرار على أنهم أكثر فعالية بشكل عام، مع تعاون أقوى ومشاركة أكبر من الموظفين ( جينتري، ويبر، وسادري، 2007، مركز القيادة الإبداعية ).
وجد زينجر فولكمان أن القادة الذين يظهرون بانتظام سلوكيات بناء الثقة والتعاطف، وهي نتائج أساسية للذكاء العاطفي، يعانون من معدلات دوران وظيفي أقل بنسبة 40٪ من أقرانهم، إلى جانب درجات إنتاجية ورضا أعلى.
إذن، التعاطف ليس مهارة ناعمة يمكن تهميشها - بل هو قوة خارقة للقيادة والتعاون.


الجانب المظلم للتعاطف: عندما يؤلم الشعور المفرط
الخرافة الشائعة هي أن المزيد من التعاطف أفضل دائمًا. في الواقع، قد يصبح التعاطف المفرط بلا حدود طاغيًا. فالتعاطف المفرط غير المقيد قد يُشعرنا وكأننا في تسونامي عاطفي. عندما نتحمل آلام الآخرين كما لو كانت آلامنا، فإننا نخاطر بالإرهاق العاطفي والإنهاك.
أظهرت مراجعة منهجية حديثة نُشرت في مجلة BMC Nursing أن التعاطف والإرهاق المهني مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، لكن تأثيرهما يعتمد على عوامل وسيطة مثل تنظيم المشاعر والرعاية الذاتية (Zhou et al., 2025). وهذا يعني أن المشكلة ليست في التعاطف بحد ذاته، بل في التعاطف غير المتوازن.
من المهم أن يحذرنا علماء الأعصاب من الخلط بين التعاطف والضيق الناتج عنه. فعندما يختل توازن التعاطف، قد يتحول إلى عدوى عاطفية، حيث نستوعب ضغوط الآخرين لدرجة تفوق قدرتنا على التحمل. وهذا الضيق الناتج عن التعاطف هو ما يؤدي إلى الإرهاق والإنهاك. في المقابل، يُعدّ التعاطف - وهو التعاطف المقترن بالرعاية والنظرة الشاملة والتحكم - عاملاً وقائياً. تُظهر الدراسات أن التعاطف يُنشّط دوائر دماغية تُعزز المرونة وتُخفف من آثار الحمل العاطفي الزائد ( هوفماير وآخرون، 2020 ).
تكمن الفرصة في تحويل التعاطف من مصدر للإرهاق إلى مورد مستدام. فعندما يقترن بالتنظيم الذاتي - من خلال تسمية المشاعر، وممارسة الرعاية الذاتية، والحفاظ على منظور متوازن - يتجاوز التعاطف مجرد العدوى العاطفية ليصبح حضورًا ثابتًا وعطوفًا.
أدوات الذكاء العاطفي لحماية حساسيتك وتعزيز تعاطفك
إذا كنتَ من ذوي الحساسية المفرطة، فالمفتاح ليس في كبت تعاطفك، بل في استخدامه بحكمة. تُظهر الأبحاث حول التعاطف مع الذات أن ممارسات بسيطة يمكن أن تُخفف التوتر وتمنع الإرهاق ( نيف وآخرون، 2020 ). إليك بعض الطرق للحفاظ على التعاطف مُحفزًا لا مُرهقًا:
- ركّز على التعاطف مع الذات. اسأل نفسك: "ما الذي أشعر به الآن؟" تسمية مشاعرك أولاً تمنع الشعور بالإرهاق.
- لا تلوم أحداً. انتبه لمشاعر الآخرين دون أن تتأثر بها: "أشعر بالتوتر هنا" بدلاً من "أشعر بالتوتر".
- انتقل من الاستيعاب إلى الاختيار. بدلاً من أن تحمل مشاعر شخص آخر، قرر كيف تريد أن تستجيب.
هذه التحولات الصغيرة تحول الحساسية إلى قوة، مما يساعدك على البقاء متجذراً في الواقع مع استخدام التعاطف كمورد.
الخلاصة: الحساسية هي قوتك
التعاطف ليس هشاشة. ليس شيئًا يُخشى منه أو يُتجنب. إنه إشارة، وبوابة، وطريق للتواصل. إذا قيل لك يومًا أنك "حساس جدًا"، فتذكر: التعاطف ليس عيبًا. مع الوعي والممارسة، يصبح قوة خارقة.
لذا، انتبه هذا الشهر إلى مواطن تعاطفك. تمرّن على ملاحظة مشاعرك ومشاعر الآخرين على حد سواء. احمِ حساسيتك، ودع التعاطف يصبح مصدر قوة ومرونة وتواصل.

COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
1 PAST RESPONSES