لم يعد النمو كما كان في السابق. اليوم، يتعرض أطفالنا، حتى من أصغرهم سنًا، لوابل من المحفزات يفوق بكثير ما واجهناه نحن، أو أي جيل سبقنا. كيف نحافظ على توازن أطفالنا وسط أجهزة الآيباد والإعلانات المنبثقة وشاشات التلفاز ومنشورات تويتر؟ كيف نساعدهم على إيجاد معنى وتوازن في عالم شديد التطلب (وغالباً ما يكون مربكًا)؟
بصفتي معلمة في مرحلة ما قبل المدرسة، أؤمن أن تعريف أطفالنا بالشعر في سن مبكرة يحمل جزءًا من الحل. فرغم أن التكنولوجيا قد أثرت حياتنا بشكل كبير وغيرت جذريًا أساليب التعلم والتفاعل، إلا أنني أشك في قدرة الحاسوب على تعليم الطفل كيف يعيش حياة هادفة مليئة بالحب والتواصل. ولنقل هذه الدروس الحياتية، أعتقد أنه علينا العودة إلى قصص وأغاني الماضي، والاستمرار في غرس روح الدهشة في نفوس الأطفال من خلال كلماتنا.
لماذا الشعر تحديدًا؟ بصفتي خريجة أدب إنجليزي، أستطيع تقديم إجابة أكاديمية، لكنني سأشارككم ما أراه بصفتي معلمة في مرحلة ما قبل المدرسة. الشعر أشبه بالسحر بالنسبة للأطفال. قبل أن يفهموا معنى الكلمات التي يسمعونها تمامًا، رأيت كيف يتفاعلون مع رنين الكلمات وتناسقها (أو عدم تناسقها). عندما تتناغم كلمتان، يكون الأمر أشبه بتناغم قطعتي أحجية. حتى بدون قوافي، ففي النص الأدبي الجيد للأطفال، يكمن انسيابية ونبرة وإيقاع يستشعرها الأطفال، وهذه من أولى الأمور التي تساعدهم على فهم عالمهم وتنظيمه.
اليوم، بينما تكافح أمريكا للحاق بركب دول العالم الأخرى في الرياضيات والعلوم، تُعدّ الفنون والموسيقى أول ما يُستهدف بالتقليص. صحيح أن الشعر وما يرتبط به من فنون "جميلة"، لكن هل ستساعد أبناءنا حقًا في الحصول على وظائف؟ مع أنني أتفهم هذا الرأي، وأؤيد بشدة تحسين الرياضيات والعلوم، إلا أنني لا أعتقد أن هذه المجالات وحدها كفيلة بإعداد الأطفال للحياة التي نأمل حقًا أن يعيشوها: حياة لا تقتصر على الرخاء المادي والأمان، بل حياة تتسم بالعمق والحكمة والإخلاص.
أعرف ذلك جيدًا – فقد عملتُ سابقًا في جوجل، وكنتُ تعيسًا! وصلتُ إلى المكان الذي توقع الجميع أن أكون فيه، وعندما رفعتُ نظري عن شاشة حاسوبي ورأيتُ احتمالات وظيفة روتينية من التاسعة إلى الخامسة (أو بالأحرى من السابعة إلى السادسة) أقضيها في الكتابة على لوحة المفاتيح، قفزتُ إلى المجهول وبدأتُ بتنظيم رحلات استكشافية في برية يوسيميتي. هذا ليس انتقادًا لجوجل بالطبع – فهناك العديد من أصدقائي الراضين عن وظائفهم في وادي السيليكون – بل هو بالأحرى إدراك مني أنني لم أكن في المكان الذي يُفترض أن أكون فيه أو أنني لم أكن أفعل ما يُفترض أن أفعله. أعتقد أن خطواتي التالية لم تكن لتتحقق لولا أن رسالة "اتبع قلبك" قد وصلت إلى مسامعي في مرحلة ما. لقد كانت متأصلة في القصص التي سمعتها في طفولتي: تلك التي رواها والداي ومعلميّ، وكذلك تلك التي رواها الكتب التي قرأتها واعتززتُ بها.
الشعر، على وجه الخصوص، يعلّم الأطفال أنه لا توجد إجابة صحيحة مطلقة، وأن العملية لا تقل أهمية عن النتيجة النهائية. بل إن الشعر، أكثر من النثر، يدور حول ما لم يُقال، وما يُترك لنا لنُكمله. هذه هي الدروس التي أرجو أن تنتقل إلى الأطفال الذين أُدرّسهم في الرابعة من عمرهم: أن هناك دائمًا أكثر من طريقة للنظر إلى الأمور، وأن بعض الأسئلة هي أسئلة نحتاج إلى الاستمرار في طرحها. إن صوت الشعر بحد ذاته يُعلّم الأطفال التوقف والإنصات جيدًا، وعيش اللحظة. إنه يدعونا جميعًا إلى التمهل، والنظر مرة أخرى بإعجاب إلى فراشة تُفرِق جناحيها، أو ورقة تتساقط على الأرض.
للمساعدة في تعريف أطفالكم بالشعر، إليكم بعض الأنشطة لمختلف الفئات العمرية التي أوصي بتجربتها في المنزل.
الأطفال من عمر سنة إلى سنتين
١. قراءة الشعر لأطفالك بداية مثالية. فالشعر يُعدّ قراءة رائعة قبل النوم، إذ غالبًا ما يكون صوت شعر الأطفال مألوفًا ومريحًا. اقرأ لأطفالك بعضًا من قصائدك المفضلة (سيركزون على النبرة والإيقاع أكثر من الكلمات)، أو إذا كنت تبحث عن بداية، فاطلع على بعض روائع ويليام بليك أو كريستينا روسيتي. ليس من الضروري أن يكون الشعر مُقَفّى دائمًا!
2. قم بتأليف الأغاني أو القصائد لأجزاء مختلفة من اليوم، على سبيل المثال، غناء "وقت الإفطار، وقت الإفطار، قافية سعيدة ومشمسة ليوم الأحد"، مع تغيير الطقس ويوم الأسبوع وفقًا لذلك.
الأطفال من سن 3 إلى 4 سنوات
1. ليس من المبكر أبدًا تعريف أطفالك بقصص شيل سيلفرشتاين ودكتور سوس. فمع بدء الأطفال في فهم معاني الكلمات التي يسمعونها بشكل أفضل، يجمع سيلفرشتاين وسوس بين الشعر الرائع والأصوات والأفكار الطريفة التي يمكن لجميع الأطفال التفاعل معها (ناهيك عن بعض الدروس الحياتية المهمة حقًا).
2. العب لعبة قافية بسيطة مع أطفالك. التقط أشياء من حول المنزل، أو أشر إلى أشياء في الصور، وسمّها، وانظر ما إذا كان بإمكان أطفالك إيجاد كلمة قافية تُكمل ذلك الشيء (لكن لا تُشر إلى برتقالة - فهذا أمر قاسٍ).
٣. لعبة "الكلمات غير المفهومة" (شبيهة بالشعر المبسط للأطفال): قصّ مجموعة من الكلمات، واطلب منهم إنشاء مشروع فني حيث يلصقون الكلمات معًا على ورقة بأي ترتيب يريدونه. عند الانتهاء، اقرأ لهم العمل النهائي كما لو كان عملًا فنيًا جميلًا، حتى لو كان مجرد كلام غير مفهوم. مع تقدمهم في السن، أضف المزيد من الكلمات المتناغمة، وشجعهم على البدء في تكوين جمل وقوافي. قد يساعد استخدام الورق المسطر أيضًا.
5 سنوات فما فوق
١. ارتقِ بلعبة القافية إلى مستوى جديد: بدلاً من مجرد قافيات الكلمات، تعاون مع أطفالك لتكوين جمل متناغمة. على سبيل المثال، ابدأ بقول جملة: "ذهبت اللبؤة إلى المتجر"، ثم على طفلك أن يجيب بجملة منطقية ومتناغمة (إلى حد ما)، مثل: "حطمت أشبالها الباب". حاولوا إيجاد أكبر عدد ممكن من الجمل المتناغمة قبل الانتقال إلى الكلمة التالية ("أطلق المالك زئيرًا")، وسرعان ما ستجدون أنفسكم تكتبون قصصًا شعرية مع أطفالكم! يمكنكم أيضًا تطبيق هذا النشاط على الورق أو الشاشة عندما يتقن أطفالكم الكتابة أو الطباعة.
٢. شجعوا أطفالكم على سرد قصص من يومهم باستخدام الاستعارات والتشبيهات. على سبيل المثال، إذا أخبروكم أن يومهم كان رائعًا، فاسألوهم: "رائع كماذا؟" مع طرح أسئلة توجيهية مثل: "رائع كغروب الشمس؟" أو "رائع كحوت يقفز من الماء؟" هذا النوع من التفكير المجازي يساعد الأطفال حقًا على ربط الأشياء ببعضها وتنمية تفكيرهم الإبداعي (وهي مهارة أكاديمية وحياتية قيّمة أخرى).
٣. قدّم نموذجًا لكتابة الشعر لأطفالك. ليس بالضرورة أن يكون عملًا ذا عمقٍ كبير، ولكن إذا كتبتَ وشاركتَ كتاباتك معهم، فسيكونون أكثر ميلًا للكتابة والمشاركة معك. في كل مرة تشارك فيها أنت أو طفلك شيئًا كتبه أحدكما، خصص بعض الوقت للتأمل وطرح أسئلة، مثل: "لماذا اخترتَ هذه الكلمة؟" أو "ماذا تعني لك؟" تذكر، لا توجد إجابات صحيحة أو خاطئة.
في طفولتي، كان والدي يُعطيني أرقامًا من خانتين لأضربها ذهنيًا في طريقنا إلى المدرسة. ومن أكثر لحظات طفولتي فخرًا نجاحي في ضرب 99 في 99 وأنا عائد من موقف الحافلة في الصف الأول الابتدائي (9801 لمن يتساءل). هذه المهارات فتحت لي آفاقًا واسعة فيما بعد: فقد ساعدتني في الالتحاق بجامعة ييل، وفي الحصول على وظيفة في جوجل، ولكنها اليوم تُسهّل عليّ حساب الإكرامية في المطاعم. لطالما كان الشعر ملاذي في أوقات الشدة، وسحر اللغة هو ما ساعدني على تجاوز مصاعب الحياة. جنبًا إلى جنب مع تركيزنا على الرياضيات والعلوم، أعتقد أن الشعر والفنون أكثر أهمية من أي وقت مضى لمساعدة أطفالنا على إيجاد معنى في عالم يجذب انتباههم باستمرار.
COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
3 PAST RESPONSES
Well done. Peter Neumeyer
I couldn't agree with you more : ) It never occurred to me that I would begin to focus my artistic bend towards poetry, and I am certain this would never have happened had my grade five teacher not taken the time to introduce this fascinating form of writing to me. It has a way of tapping into the unconscious to allow a flow of words to fall freely, more easily in my opinion than a straight forward literary style of writing. Thank you for your article. It is wonderful to see there is still an interest in poetry.
Thanks for this. As a former preschool teacher myself, I am so happy that you shared these pearls of wisdom. Watching a young child respond to a rhyme is my fondest memory as a teacher as well as a parent, and I sometimes fear that it's becoming a lost art. The value of poetry, reading, sharing, and fostering verbal creativity is beyond measure.