Back to Stories

العدالة الهادئة

هل يمارس المحامون التأمل؟ الأمر ليس مزحة. يقود تشارلز هالبرن حركةً لتعزيز التعاطف والوعي في ممارسة القانون.

عندما أخبر الناس أنني أُدرّس مادة القانون والتأمل في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، غالباً ما أسمع استهجاناً وعدم تصديق. قال لي أحد الأصدقاء: "من الأسهل تخيّل فصل دراسي في روضة أطفال يجلسون في صمت لمدة نصف ساعة، من تخيّل محاميين يجلسان معاً في صمت لمدة خمس دقائق".

Richard Boswell يقود تشارلز هالبرن (يسار، في المقدمة) تمرين تشي كونغ في خلوة لـ 75 محامياً في مركز سبيريت روك للتأمل في كاليفورنيا.

لكن هذه الدورة ليست مزحة. في الواقع، إنها جزء من حركة رائدة بدأت تترسخ بهدوء في مهنة المحاماة على مدى العقدين الماضيين: حركة تهدف إلى إدخال اليقظة الذهنية - وهي وعي تأملي، لحظة بلحظة، بأفكارنا وعلاقاتنا وظروفنا الخارجية - في ممارسة القانون والتعليم القانوني.

دأب القضاة على التأمل قبل تولي مناصبهم، ويفتتحون قاعات محاكمهم بلحظة من الصمت التأملي. وقد أثبت المحامون في مفاوضات الطلاق الشائكة فعاليتهم بشكل أكبر من خلال الحفاظ على منظور التأمل الواعي طوال العملية. كما قدمت دورات في اثنتي عشرة كلية حقوق مقدمةً عن التأمل لطلاب القانون، في محاولة لمساعدتهم على صقل مهاراتهم القانونية وجعلهم أكثر كفاءة كمحامين ومفاوضين ووسطاء. كل هذه الخطوات جزء من جهد أوسع لمساعدة هؤلاء المهنيين الناشئين والراسخين على التكيف مع ضغوط ممارسة القانون، وهو مجال، للأسف، يتصدر جميع المهن الأمريكية في حالات الاكتئاب وإدمان المخدرات والانتحار.

لا يزال الربط بين القانون والتأمل يبدو للكثيرين غير منطقي. أعلم أنه أثار العديد من النكات بين المحامين. لكن ندوتي شهدت إقبالاً فاق التوقعات خلال العامين الأولين من تقديمها. وقد أفاد العديد من طلابي بأنها كانت من أهم المقررات التي درسوها في كلية الحقوق، إذ غيّرت جذرياً منهجهم في دراسة القانون وخططهم المهنية.

وهم بالتأكيد ليسوا وحدهم؛ فمن الواضح أن الجهود المبذولة لدمج منظور واعٍ في ممارسة القانون تكتسب زخماً.

نحن الآن على أعتاب مرحلةٍ فارقة في هذه الحركة: ففي التاسع والعشرين من أكتوبر، سيُعقد اجتماعٌ هام في كلية الحقوق بجامعة بيركلي، حيث سيجتمع 150 محامياً وأستاذاً وقاضياً وطالباً في القانون لاستعراض التقدم الذي أحرزناه. وخلال عطلة نهاية الأسبوع التالية، سيتأملون معاً ويناقشون الفرص والتحديات التي تواجه هذه الحركة ومهنة المحاماة ككل.

بدأت رحلتي مع التأمل عندما كنتُ العميد المؤسس لكلية الحقوق بجامعة مدينة نيويورك. كانت وظيفة شديدة الإجهاد، ولم أكن أُحسن التعامل مع الضغوط المتضاربة. اقترح عليّ صديقٌ لي، كان يمارس التأمل بانتظام وكان العميد المؤسس لكلية حقوق أخرى، أن أجرب التأمل.

سألته: "ما هذا؟" فأعطاني تعليمات بسيطة: أن أخصص عشرين دقيقة في الصباح الباكر للجلوس في صمت، متأملاً في داخلي، متتبعاً أنفاسي، مراقباً أفكاري وهي تأتي وتذهب. سألته: "ما الفائدة التي ستعود عليّ من ذلك؟" فألحّ عليّ أن أجربه فقط لأرى إن كان سيساعدني في تخفيف ضغوط العمل.

لدهشتي، وجدتُ أن هذه الدقائق القليلة في الصباح تُساعدني على إيجاد مساحة من السكينة والتوازن أعود إليها خلال يومٍ حافلٍ بالضغوط والمشاكل. فإذا علمتُ أن مكالمة هاتفية مُلحة تنتظرني، كنتُ أجلس لبضع دقائق، وأُركز على تأملي، ثم أُجيب على المكالمة. لم يُسهّل ذلك كل شيء، ولم أُتقن التعامل مع كل نقاشٍ حاد، لكنه أحدث تحسناً ملحوظاً في قدرتي على التواجد الذهني الكامل في المواقف الصعبة، والاستجابة لها بتفكيرٍ أعمق، لا بانفعالٍ مُفرط. وللأسف، لم أُدرج التأمل في مناهجنا الدراسية آنذاك، ويعود ذلك في جزءٍ كبير منه إلى أنني لم أكن أُدرك حينها أهمية التأمل في ممارسة القانون.

بعد تخرج دفعتين من كلية الحقوق بجامعة مدينة نيويورك، وانتقالي لرئاسة مؤسسة ناثان كامينغز، أتيحت لي فرصة للتعمق في دراسة العلاقة بين القانون والتأمل من خلال برنامج المنح الذي نقدمه. بدأت المؤسسة بدعم الجهود الرامية إلى إدخال البُعد التأملي في المؤسسات التعليمية السائدة، وكان القانون أحد المجالات التي اخترنا التركيز عليها.

Richard Boswell هالبرن يلقي محاضرة حول الالتزامات الأخلاقية للمحامين في نفس معتكف التأمل.

أنشأ المركز مركز العقل التأملي في المجتمع من قِبل المؤسسة وشريكها، معهد فيتزر، لتحقيق هذه الرسالة. وقد عقد المركز أول خلوة له لطلاب وأعضاء هيئة التدريس في كلية الحقوق بجامعة ييل عام ١٩٩٧. ومنذ ذلك الحين، دأب المركز على تنظيم خلوات تأملية منتظمة للطلاب والمحامين والقضاة، بدايةً على الساحل الشرقي ثم في مركز سبيريت روك للتأمل شمال سان فرانسيسكو. (تتوفر تقارير عن هذه الخلوات على صفحة برنامج القانون التابع للمركز).

بصفتي قائدًا مشاركًا في معظم هذه الخلوات، تمثلت مسؤوليتي الخاصة في تعليم ممارسة تشي كونغ الصينية للتأمل. في ساعات الصباح الباكر، ومع إشراقة الشمس التي تملأ قاعة التأمل، أقود عشرات المحامين في حركات تأملية تهدف إلى مساعدتهم على التركيز على أجسادهم، وهو تحول جذري عن انغماسهم المعتاد في العمليات التحليلية والمعرفية لعقولهم.

على مر السنين، باتت ممارسة التأمل جزءًا لا يتجزأ من حياة العديد من المحامين، إذ بدأوا بدمج اليقظة الذهنية في عملهم كأساتذة ومحامين في مجال المصلحة العامة وقضاة ووسطاء. وقد أظهرت الأبحاث أيضًا أن اليقظة الذهنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسين المهارات الأساسية لعمل المحامي، مثل: القدرة على الإنصات بتمعن أثناء مقابلة العميل، وتنمية التعاطف الذي يجعل المحامي أكثر فعالية في الدفاع عن موكليه وتقديم المشورة لهم، والقدرة على التركيز ورؤية المواقف المعقدة في قاعة المحكمة من زوايا متعددة. وبالطبع، تساعد اليقظة الذهنية المحامين على التعامل مع مشكلة التوتر والقلق التي تُرهق الكثيرين منهم وتُفقد حياتهم المهنية حيويتها وسعادتها.

مع ازدياد انتشار اليقظة الذهنية وتجذرها في التعليم والممارسة القانونية، يمكننا أن نتوقع أن القيم الأساسية التي يتم غرسها من خلال ممارسة اليقظة الذهنية - التعاطف، والرحمة، والشعور بالترابط وعدم الدوام - ستنعكس في أداء المحامين والمحاكم، وفي جوهر المبادئ القانونية.

يمثل مؤتمر أكتوبر علامة فارقة في مسيرة هذا التوجه. فهو سيضع أساساً متيناً لانطلاق الجيل القادم من التطورات، ونشر ممارسة اليقظة الذهنية على نطاق أوسع، وتعزيز رضا المحامين عن عملهم وحياتهم، وتحسين جودة الخدمات التي يقدمونها لعملائهم. ومع مرور الوقت، قد تُسهم اليقظة الذهنية إسهاماً كبيراً في تحسين جودة العدالة في المحاكم، وفي الولايات المتحدة، وعلى مستوى العالم.

Share this story:

COMMUNITY REFLECTIONS