هناك وظيفتان ازدادتا صعوبةً في السنوات الأخيرة. الأولى هي مهنة التدريس، التي لم تكن سهلةً قط حتى في أفضل الظروف. ولكن في عصرٍ تتوافر فيه فرصٌ لا حصر لها للتشتيت، وتتضاءل فيه فترات الانتباه، فإن جعل الأطفال يركزون على واجباتهم المدرسية قد يكون (مع الاعتذار لأطباء الأسنان) أشبه بخلع الأسنان.
أعرف ذلك جيداً: بصفتي مساعدة مدرسية سابقة عملت مع أطفال صغار في مدارس الأحياء الفقيرة، كان كل ما أستطيع فعله في كثير من الأحيان هو فضّ الشجارات والحفاظ على مستوى الضوضاء أقل من مستوى مطار دولي. أي تعلم يحدث في مثل هذه البيئة كان بمثابة معجزة صغيرة.
أما المهمة الأخرى التي أصبحت أصعب في أيامنا هذه، فهي الدراسة. صدقوني، أتفهم معاناتهم تمامًا! أطفال اليوم نشأوا على الأجهزة الإلكترونية، يتنقلون بين المواقع الإلكترونية والرسائل النصية وألعاب الفيديو بسرعة البرق. من أين يتعلم الطفل التركيز على مسألة رياضية واحدة أو قراءة واجب منزلي واحد في ظل كل هذه المشتتات المتاحة بنقرة زر؟
لكنني شاهدت مؤخرًا فيلمًا بثّ فيّ الأمل. فيلم "مساحة للتنفس" للمخرج راسل لونغ، صُوّر في مدرسة حكومية في سان فرانسيسكو. تُعدّ مدرسة مارينا المتوسطة، التي تضم 900 طالب، واحدة من أكبر المدارس في منطقة خليج سان فرانسيسكو، ولها سمعة سيئة تتمثل في كونها صاحبة أعلى معدل إيقاف عن الدراسة في المدينة.
يتضح لنا السبب في المشاهد الافتتاحية - أطفال يرمون أقلام الرصاص، ومشاجرات في ساحة المدرسة، وممرات صاخبة. تخبرنا المرشدة التربوية لينغ بوش أن فشل الأطفال لا يعود إلى غبائهم، بل إلى عدم قدرتهم على التركيز: "هناك شعور بالترفيه المتواصل، وغالبًا ما يصبح ما يحدث في الدرس ثانويًا".
لذلك من المثير للدهشة، بالنظر إلى هذا الجو الفوضوي، أن يتم اختيار غرفة السيد إينلي لبرنامج جديد مبتكر في التأمل الذاتي يسمى "اليقظة الذهنية".
في الحقيقة، التأمل الذهني ليس "جديداً" على الإطلاق. فقد نشأ منذ أكثر من ألفي عام في أديرة جنوب آسيا. هذا النوع من التأمل البسيط، الذي يركز الانتباه فيه على الأحاسيس الجسدية، يُدرَّس الآن في الفصول الدراسية من سان فرانسيسكو إلى سيدني وعشرات المدن الأخرى حول العالم، ليس كطريق إلى التنوير بقدر ما هو أسلوب عملي لمساعدة الأطفال على التركيز والتعلم.
والفكرة، بحسب ميغان كوان، المدربة من مجموعة "المدارس الواعية" التي عملت مع فصل إينلي، هي منح الطلاب "الأدوات والمهارات" لترويض الاضطراب داخل عقولهم.
مهمة صعبة، كما اكتشفت كوان بنفسها عندما قوبلت محاولاتها لجعل الأطفال يجلسون بهدوء ويركزون على أنفاسهم بتعليقات ساخرة وتعبيرات عن الملل. أرادت إخراج هؤلاء المشاغبين من الفصل طوال فترة تمارين اليقظة الذهنية، لكن مساعد المدير ذكّرها بأنه في التعليم العام لا يُستثنى أحد.
وهكذا تواصل كوان عملها مع الصف بأكمله، والمثير للدهشة أنه بحلول نهاية الفيلم، بدأت بعض "أصعب الحالات" التي تعاملت معها تقدر ما تقدمه لها هذه التقنيات البسيطة.
على سبيل المثال، يشهد عمر، الذي قُتل شقيقه الأكبر في أعمال عنف العصابات، أن التأمل الذهني علّمه التراجع عن مواقف الشجار المحتملة دون رد فعل. وتقول والدة جاكلين أمام الكاميرا إن ابنتها أصبحت أكثر احترامًا للآخرين، وتحصل الآن على درجات أفضل. ويقول جيراردو، وهو فنان طموح، إن التأمل الذهني يساعده على التركيز بشكل أفضل أثناء الرسم والتلوين.
وتدعم هذه "قصص النجاح" المتواضعة مجموعة متنامية من الأبحاث.
في إحدى أكبر الدراسات حتى الآن، شهد طلاب الصفين الثاني والثالث في مدرسة داخلية بالمدينة تحسينات كبيرة في التركيز والأداء الأكاديمي والمهارات الاجتماعية، والتي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر بعد انتهاء برنامج اليقظة الذهنية الخاص بهم.
أظهرت الأبحاث أيضًا أن تمارين مثل الاستماع إلى الأصوات المحيطة والتركيز على التنفس لها تأثير عميق على وظائف الجسم، إذ تُبطئ التنفس، وتُخفض ضغط الدم، وتُقلل من مستويات التوتر الضارة. مع ذلك، لا تُعد هذه التمارين حلًا سحريًا. فمن الواضح أن العديد من الأطفال يحتاجون إلى أكثر من مجرد لحظات هادئة قليلة خلال يومهم ليسترخوا.
لكن بالنسبة للكثيرين ممن شاركوا في التدريب في مدرسة مارينا المتوسطة، كان الأمر بمثابة كشفٍ حقيقي. فقد أظهر للمراهقين لأول مرة أنهم ليسوا مجرد دمى تُحركها خيوط عقولهم المُفرطة النشاط. بل على العكس، بإمكانهم اتخاذ قرارات بشأن كيفية توجيه أفكارهم والاستجابة لمشاعرهم.
هذا أمر يحتاج الكبار أيضاً إلى تعلمه. وتتزايد برامج اليقظة الذهنية في المستشفيات وبرامج علاج الإدمان وحتى في قاعات اجتماعات الشركات في جميع أنحاء البلاد.
تقول ميغان كوان: "لا تُزيل اليقظة الذهنية المشاكل، ولكنها تُغيّر طريقة تعاملك مع تجاربك لتسمح بمزيد من الخفة والسعادة".
والأطفال الذين يتمتعون بالهدوء والسعادة هم في الغالب من ينجحون في المدرسة.
دعونا نأمل أن ينتشر تدريب اليقظة الذهنية إلى المزيد من مدارس أمتنا التي تعاني من مشاكل، حيث يمكن للمعلمين والطلاب على حد سواء الاستفادة من كل مساعدة ممكنة.
COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
2 PAST RESPONSES
There is so much to be gained in Mindfulness it's had a huge impact on my every day life. Thank you for sharing. Om. HUG.
Leo Babuta and his zenhabits.net blog has a ton of information on mindfulness. I highly recommend starting here: http://zenhabits.net/start/