ذات مرة، في ندوة مرتجلة مع مجموعة من الصحفيين في سان فرانسيسكو، التفت إليّ زميل وسألني: "حسنًا، ما هو العنف؟" فأجبته على الفور: "فشل في الخيال".
مع أنني ما زلت غير متأكد تمامًا مما قصدت، إلا أنني أعتقد أنني كنت أحاول الوصول إلى فكرة عبّر عنها ببراعة أحد المتصوفين المحبوبين في الهند الحديثة، سوامي رامداس، قائلاً: "الجهل هو سبب كل نزاع وصراع في العالم. الجهل ليس جريمة، ولا يستحق الإدانة، لكن يجب إزالته. وبقوة حبك، يمكنك إزالة الجهل".
يبدو لي أن هذا يلخص جوهر العنف بإيجاز، ويوجهنا نحو منعه. إذا لم أمتلك القدرة على إدراك أننا واحد، رغم انفصالنا الجسدي واختلاف نظرتنا إلى الحياة، فما الذي يمنعني من استخدام العنف إذا شعرت أنك تقف في طريقي؟ يمكن القول إن هناك نوعًا من العنف يُمارس بالفعل في هذا العجز عن إدراك وحدتنا، إنه عنف ضد الحقيقة.
لكن يمكن علاج الجهل. ويمكن تصحيح قصور الخيال. ويلعب الحب دورًا ما في كلتا العمليتين.
إن النظر إلى العنف كنوع من الجهل يساعدنا فوراً على رؤية الحكمة والمحبة كحل. وهنا نبدأ في إدراك أمرٍ لافت: أن هناك قوة متاحة للبشر تعمل بطريقة مختلفة تماماً عن الإكراه أو التهديد أو العقاب.
عبّر غاندي عن هذا بأسلوبه المباشر المعهود: "السلطة نوعان. أحدهما يُكتسب بالخوف من العقاب، والآخر بأفعال الحب. والسلطة القائمة على الحب أكثر فعالية وديمومة بألف مرة من تلك المستمدة من الخوف من العقاب".
هذه هي الحقيقة التي تجاهلتها ثقافتنا إلى حد كبير. بات من المعروف الآن أن السلام أوسع من مجرد غياب الحرب، ولكن من الضروري بنفس القدر أن نفهم أن اللاعنف أوسع من مجرد غياب العنف الجسدي. في كلتا الحالتين، سنحاول فهم النور بدراسة ظله. لقد حان الوقت لنلتفت ونرى ما الذي يُلقي بظلاله.
يشير مصطلح " أهيمسا " السنسكريتي القديم، الذي نترجمه إلى "اللاعنف"، في الواقع إلى شيء إيجابي عميق لا يمكن التعبير عنه بشكل مباشر. ففي السنسكريتية، غالبًا ما تُشير الأسماء المجردة إلى صفة إيجابية جوهرية بشكل غير مباشر، من خلال نفي نقيضها. وهكذا، يُعبّر عن الشجاعة بكلمة "أبهايا "، التي تعني حرفيًا "انعدام الخوف"؛ وكلمة "أفيرا" عند بوذا، التي تعني "انعدام الكراهية"، تعني "الحب". والسبب في أن مفكري الهند القدماء عبّروا عن أنفسهم بهذه الطريقة غير المباشرة ظاهريًا هو أن ظواهر كالحب والشجاعة المطلقة والرحمة هي أمور جوهرية لا يمكن التعبير عنها بشكل كامل بلغة بشرية قاصرة ومشروطة.
إذن، ما الذي تفعله هذه القوة في الواقع؟
قدّم غاندي أحد أكثر الأوصاف عمقاً على الإطلاق: "إنّ ما تفعله ساتياغراها ليس قمع العقل، بل تحريره من الجمود، وإثبات سيادته على التحيّز والكراهية وغيرها من المشاعر الدنيئة. بعبارة أخرى، إذا جاز التعبير، فهي لا تستعبد العقل، بل تجبره على التحرر."
هذا هو نوع التعليم الذي نحلم به، حيث لا يقتصر الأمر على تعلم الطالب لبعض الحقائق، ولا على تعلم كيفية ربطها ببعضها، بل يستيقظ على إدراك جديد. إنها تجربة نمو تتجاوز مجرد اكتساب المعرفة، وبعد هذا النوع من التعلم، لا يعود المرء إلى سباته.
نادراً ما تُقابل اللاعنف الحقيقي بردود فعل عكسية، لأنه لا يقوم على الإكراه، بل على الإقناع، وغالباً ما يكون إقناعاً عميقاً يُحرك الناس على مستوى اللاوعي. ولأن الخصوم قد تغيروا طواعية، فهم لا يبحثون عن فرصة للانتقام. وعندما تُؤتي هذه القوة ثمارها، فإنها لا تُغير موقف طرف واحد فحسب، بل تُغير العلاقة بين الأطراف. فبمجرد أن يرى الناس الموقف من منظور جديد، يتقارب أولئك الذين كانوا خصوماً في السابق روحياً.
كما لاحظت حنة أرندت، "إن ممارسة العنف، كأي فعل آخر، تُغير العالم، ولكن التغيير الأرجح هو نحو عالم أكثر عنفًا". تُنتج أعمال الإكراه ردود فعل متساوية ومعاكسة. أما القوة الجامعة - القوة التي تجمع الناس من خلال مناشدة طبيعتهم العليا - فتُحدث تحولًا حقيقيًا بدلًا من مجرد الامتثال.
تأمل كيف اكتشف غاندي نفسه هذه القوة. في تلك الليلة المشؤومة من 31 مايو 1893، عندما طُرد من قطار في جنوب إفريقيا بسبب عرقه، كان غاندي غاضباً. لكن بدلاً من أن يأخذ الإهانة على محمل شخصي، رأى فيها مأساة وحشية البشرية بأكملها - ليس "لا يمكنهم فعل هذا بي"، بل "كيف يمكننا أن نفعل هذا ببعضنا البعض؟"
كان يؤمن في تلك الفترة بأن الناس لا يمكنهم البقاء غافلين عن الحقيقة إلى الأبد. لم يكن يعرف بعد كيف يوقظهم، لكنه كان يعلم أنهم لا يريدون البقاء نائمين إلى الأبد. وهكذا استطاع أن يجد حلاً وسطاً بين الاستسلام والانفعال والغضب. أطلق ما سيصبح أعظم تجربة في التغيير الاجتماعي في العالم الحديث.
الأمر المهم الذي يجب تذكره هو التالي: أي نموذج نستخدمه للتفكير في الإمكانات البشرية، وأيًا كان اعتقادنا بأننا عليه، سيميل بشدة إلى أن يكون نبوءة تحقق ذاتها. إن عدم إدراك إمكانية اللاعنف، أو الاعتقاد بأنه حكرٌ على قلة من الناشطين الذين يعانون من ضغوط شديدة، هو بمثابة استسلام للعنف المتزايد باستمرار، وبالتالي حكمٌ علينا بتحمله دون هوادة.
لكن معرفة أن اللاعنف ممكن، ومعرفة أنه ليس شيئًا غير موجود بل قوة متجذرة في الطبيعة ومُجسّدة في التاريخ، هو بداية لإعادة ثقافتنا إلى مسارها الصحيح.
تندلع النيران، لكنها تنطفئ أيضاً. لقد تجاهل العلماء المهتمون بالعدوان تماماً الوسائل التي تُخمد بها نيرانه. نعرف الكثير عن أسباب السلوك العدائي، لكننا لا نعرف إلا القليل عن كيفية تجنب الصراعات، أو كيف تُصلح العلاقات وتُعاد إلى طبيعتها بعد وقوعها. ونتيجةً لذلك، يميل الناس إلى الاعتقاد بأن العنف جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية أكثر من السلام.
أدلى غاندي بملاحظة بسيطة لكنها عميقة: "إن وجود هذا العدد الكبير من الرجال الأحياء في العالم يدل على أن الحياة لا تقوم على قوة السلاح، بل على قوة الحق أو الحب. فالخلافات الصغيرة بين ملايين العائلات في حياتهم اليومية تتلاشى أمام هذه القوة. وتعيش مئات الأمم في سلام. والتاريخ لا يُسجل هذه الحقيقة، ولا يمكنه ذلك. فالتاريخ في حقيقته سجل لانقطاع عمل قوة الحب أو الروح."
هذه القوة، التي يبدو أن الحب وصف مناسب لها، موجودة دائمًا في الوعي الإنساني. ومن المؤسف أننا، لا سيما في أوقات كهذه، نجد صعوبة بالغة في إدراك هذه القوة الكامنة وراء الأحداث.
لكن هذا يتغير. ويمكننا أن نكون جزءاً من هذا التغيير، لأن اللاعنف لا يتعلق بما نمتنع عن فعله، بل بما نختار أن نكون عليه.
COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
1 PAST RESPONSES