Back to Stories

صيفي مع طائر القط

بسبب عيشنا، كما يفعل الكثيرون منا، بمعزل عن الطبيعة، ننسى أن وجودنا على هذا الكوكب مرهونٌ فقط بتواصلنا مع الأرض وجميع مخلوقاتها. أدرك جون موير هذا الأمر بعمق، فحثّ الناس على "البقاء قريبين من قلب الطبيعة" طلباً للشفاء والسكينة. يتطلب الأمر الصبر والهدوء والاستعداد للابتعاد عن جاذبية التكنولوجيا لنصل إلى قلب الطبيعة في اللحظة الراهنة.   لقد رأى كيف صمدت الطبيعة عبر العصور في وجه العواصف والفيضانات والحرائق، لكنها لن تُنقذ من الحمقى - أي البشر الذين فقدوا صلتهم بالحياة. هذه مشكلة عصرنا، وستحدد مدى قدرة البشر على البقاء على هذا الكوكب في العقود القادمة. على الصعيد الشخصي، تجلّت لي أهمية هذه العلاقة المُحيية مع الطبيعة قبل سنوات ، وما زالت راسخة في ذهني حتى اليوم.

كان صيف عام ٢٠١٧ صيفًا صعبًا ولكنه كان بمثابة نقطة تحول في حياتي. فقدت زوجي بعد زواج دام ثلاثين عامًا في عام ٢٠١٥، وكنت قد بدأت للتو في الخروج من غيبوبة الحزن. كانت بناتي الثلاث البالغات ينعمن بحياة مزدهرة ويعتمدن على أنفسهن. لم أعد زوجة، ولا مُقدمة رعاية لزوج مريض، ولا أمًا لأطفال يكبرون. تساءلت كيف سأستمر في الحياة بدون زوج أو أطفال لأرعاهم. وجدت نفسي أتأمل في معنى الحياة عندما لا تعود كل الهويات والارتباطات بالأشخاص أو الأماكن تجعلها وطنًا. كنت أعلم أن عليّ أن أجد حياة جديدة بعد أن أتخلى عن هويتي السابقة. كنت قد ذهبت في خلوة بوذية في الصيف السابق لأتعمق في معنى الحياة، وزوال الأشياء، والحب، ولكن في صيف عام ٢٠١٧، شعرت أن عليّ البقاء في المنزل لأجد نفسي هناك. كنت أعرف بشكل حدسي أن ما أحتاجه، وما سيدعمني في الحياة التي أرادت أن تنمو في الظلام، كان موجوداً بداخلي وفي الظروف التي وجدت نفسي فيها.

كنتُ أعاني من الأرق طوال ذلك الصيف، غارقًا في التفكير في هذه الأسئلة ومسار حياتي. كنتُ أستيقظ مع بزوغ الفجر، مع أول خيوط الشمس في تمام الساعة 4:45 صباحًا، وأستمع إلى تغريد الطيور وهي تستيقظ مع شروق الشمس. برز طائر واحد، وهو طائر القط، عن البقية لأنه بنى عشه في شجيرة مشتعلة أسفل نافذة غرفتي. طائر القط رمادي داكن، يشبه طائر المحاكاة في عادة تقليده لأصوات الطيور الأخرى. يهاجر من مناطق التشتية في جنوب الولايات المتحدة أو أمريكا الوسطى ليعشش في أمريكا الشمالية. وكما هو حال الطيور التي تُفضل البقاء في موطنها، أظهرت بيانات ترقيم الطيور أن بعض طيور القط تعود إلى الأحياء نفسها، بل وحتى إلى الحدائق نفسها، عامًا بعد عام. ورغم أن طائر القط يُقلد أصوات الطيور الأخرى، إلا أنه يفعل ذلك بشكل أقل دقة من طائر المحاكاة، إذ يُضيف بعضًا من ألحانه الخاصة. الأغنية الوحيدة التي يُنسبها طائر القط لنفسه هي "مواء" المألوف الذي يُشبه صوت القطط، أما باقي الأصوات فهي من طيور أخرى، وأغانٍ أخرى استساغها. تشعر وكأن غناءه لا يهدف إلى تقليدٍ دقيق، بل إلى متعة مزج الألحان ليُكوّن نسخته الخاصة. وهكذا كان طائري القطّي، يبدأ تغريده أسفل نافذتي ويستمر لساعة على الأقل. وكانت الأنثى تُناديه بنبرةٍ خافتةٍ أقصر وأقل وضوحًا. في حالتي النفسية المضطربة والمتوترة التي أدّت إلى الأرق، كنتُ مفتونًا بتغريده. كنتُ أرفع شبكة نافذتي سرًا وأراقبه على السياج الشبكي قرب الشجيرة. كان يميل برأسه ليُشاهدني أيضًا، ثم يُكمل تغريده. في ذلك الصيف، أيقظني تغريده مرارًا وتكرارًا، مُستحضرًا دروس حياتي.

استمر هذا التغريد حتى شهر أغسطس بعد أن أُفرغ العش. حتى بعد انشغاله بتربية الصغار وساعات لا تُحصى من إطعامهم، كان يواصل التغريد صباحًا ومساءً. وعندما رحل الصغار، كان يعود كل ليلة ليُغرّد من جديد ويبيت في الأدغال. تخيلتُ أن المكان يحمل ذكريات سعيدة من أيام التعشيش الأولى. شعرتُ برابطة قوية مع هذا الطائر الذي كان أقرب صديق لي في ذلك الصيف. بطريقة ما، كنتُ على يقين أنه يعرف ما أشعر به، وكان يُغني لي تلك المشاعر بطرق لا أستطيع التعبير عنها بنفسي. صرتُ أعتمد على ذلك الطائر ليساعدني في البحث عن معنى حياتي وإيماني. هل هناك إجابة واحدة لكل شيء؟ هل هناك اتجاه واحد، أو هدف واحد، أو حياة واحدة، أو إيمان واحد يمكنني التمسك به؟ هل يُمكنني أن أجد السلام في دمج شخصياتي السابقة مع مختلف المعتقدات التي أحببتها؟ كنت قلقة بشأن هذا الأمر في أرق الصباح، لكن طائر القط هدأني في النهاية وقادني إلى إجابات جديدة وسلام أعمق مع نفسي.

أدركتُ تدريجيًا أن طائر القط لا يُبالي بهذه الأمور. كان يُلحّن أغنيته مُستلهمًا ما يراه جميلًا في أغاني الطيور الأخرى، ويعيش حيثما شاء بطريقته الخاصة. بدا وكأنه يُخبرني، يُعلّمني، أن بإمكاني أن أُضفي على حياتي معنىً جديدًا كليًا، معنىً خاصًا بي. بإمكاني أن أدمج معتقدات الأرض المتعددة في أغنية حياة تُكرّم الثراء الروحي لكل دين، مع إضافة لمساتي الخاصة لأجعلها فريدة. في عالمٍ جنّ جنونه بالتطرف الديني في كل قارة، كان من دواعي الأمل أن أتعلم من هذا الطائر أنني أستطيع أن أُكوّن مزيجًا من الإيمان يُكرّم جميع مظاهر الإله. تعلمتُ أن بإمكاني أن أعيش وأنا أعلم أن الحب الضائع يبقى خالدًا في القلب حتى وأنا أنتقل إلى بدايات جديدة وعلاقات جديدة قد تربطني بأشخاص وأماكن جديدة. وأدركتُ أنه حتى مع تغير الأشياء، يبقى هناك "بقاء" يُعد جزءًا من عملية التخلي. علمني طائر القط أن أشعر بالسلام عند العودة إلى نفس المكان كل ليلة لأجد الراحة في الذكريات التي لا تزال عالقة هناك حتى يدعوني فصل جديد للمضي قدماً في اتجاهات جديدة.

هاجر طائر القط جنوبًا في سبتمبر مع برودة الليالي وقصر الأيام. افتقدته بشدة، لكنني شعرت بالامتنان لكل ما مُنح لي. لقد غيّر ذلك الطائر قلبي. لم تكن هناك رحلة روحية أعظم، ولا معلم أروع في ذلك الصيف، ولا صديق أروع.

https://blog.nature.org/science/2015/06/10/consider-catbird-surprising-secrets-common-backyard-birds/

http://www.poetrycat.com/mary-oliver/catbird

https://www.youtube.com/watch?v=DdgYLuswqY8 https://www.youtube.com/watch?v=JwCiamHCDQ0
Share this story:

COMMUNITY REFLECTIONS

3 PAST RESPONSES

User avatar
Lang Elliott Sep 24, 2019

Here is a link to a binaural recording of a Gray Catbird singing at the break of dawn near my home in upstate New York. For optimal immersion, please wear headphones (and be sure not to play too loudly).

https://soundcloud.com/musi...

User avatar
Kim Langley Sep 24, 2019

Ginny this is gorgeous. Really lovely story and such beautiful writing. I shared it immediately! I am so grateful that you sent it. ❤ Kim Langley

User avatar
Toadsong Sep 24, 2019

Virginia:

Please get in touch with me via email. I would like to send you an immersive catbird soundscape recording that you may find inspiring during the cold winter months to come.

Lang Elliott: langelliott@mac.com