
3
كيف ننقل قصة من صفحات كتاب إلى حياتنا؟ بالنسبة لمعظم الشعوب الأصلية، تُعدّ القصص جزءًا من تراثهم الشفهي، تُروى مرارًا وتكرارًا، وهي أيضًا جزء من أسلوب حياتهم، وعلاقتهم بالحيوانات والنباتات المحيطة بهم، وروح الأرض التي لطالما كانت مقدسة. نثرت سكاي وومان بذور جميع أنواع النباتات؛ وكانت أول بذرة هي العشب الحلو، الذي تساعد رائحته على تذكر الأشياء المنسية، بينما تضمن أسطورة سمك السلمون عودته كل عام بإلقاء عظامه في النهر. تُنقل القصص والطقوس من جيل إلى جيل، مُشكّلةً التقاليد وأنماط الحياة، ومُعكسةً ارتباطًا حيًا بالأرض. لكن ثقافتنا وأرضنا الآن تحتضران لأن قصتنا الأساسية خالية من الروح، وعلاقتها بالأرض علاقة سيطرة لا تعاون أو امتنان.
بالعودة إلى البداية، نحتاج إلى إيجاد مكانٍ تُحيي فيه هذه الحكاية وتخاطبنا بلغتنا. حينها فقط، يُمكن لسحرها أن يتجلى، وقوة الحكاية الحية البسيطة تُعيننا على العيش في وئام مع الأرض، ماديًا وروحيًا. نستطيع العودة إلى رابطة الحب التي تُشكّل جوهر وجودنا المشترك. ومرة أخرى، يُمكننا أن نسير معًا في رحلة الأرض .
من الضروري فهم أن العالمين المرئي وغير المرئي، والمادة والروح، لم يكونا منفصلين لدى رواة القصص الأوائل. فالحيوانات مشبعة بالروح، والجبال والبحيرات وغيرها من الأماكن المقدسة تتمتع بقوة روحية. وهناك العديد من الأماكن التي يمكن للمرء أن يشعر فيها بحضور العالم الروحي، في بساتين الأشجار المعمرة، أو بين الأحجار القائمة القديمة. وتصبح الحواس أكثر حساسية لما هو غير مرئي، للمشاعر أكثر من الحقائق. فعلى سبيل المثال، تُعد رحلة الحج التي يقوم بها البوذي التبتي من مكان إلى آخر رحلة رؤيوية داخلية. لا يوجد فصل بينهما. فاليقظة والحلم متداخلان في القصص الأصلية؛ إذ نصحت تعليمات "امرأة السماء" الأصلية، التي لا تزال سارية حتى اليوم، الناس بـ"استخدام مواهبهم وأحلامهم للخير".
حتى في غمرة النسيان التي نعيشها اليوم، يمكننا أن نشعر بقوة الروح في لحظات الطبيعة. أتذكر حين كنت شابًا يافعًا، أول مرة عشت فيها تجربة عاصفة استوائية على جزيرة قبالة سواحل بابوا غينيا الجديدة. رأيتُ أولًا جدارًا من السحب الداكنة يمتد من البحر إلى السماء في الأفق، ثم هبت الرياح، فانحنت أشجار النخيل حتى كادت تلامس الأرض. وأخيرًا، هطل المطر، كجدار عمودي من الماء، أغرق كل شيء في لحظات. كان مشهدًا مهيبًا، قويًا، تركني غارقًا في الماء ومذهولًا. انغمست جميع حواسي، متناغمة مع قوته. في صباح صيفي، تُثير شبكة الندى المتلألئة تحت أشعة الشمس الأولى شعورًا مشابهًا بالدهشة، وإن كان ذلك لجمال عابر وهش.
في مثل هذه اللحظات، يبدو عالم الأرواح حاضرًا بقوة؛ يخاطبنا شعور بالرهبة والإعجاب. وللأسف، غالبًا ما نمرّ مرور الكرام، دون أن ندرك كيف لامس هذا العالم أرواحنا. ولكن إن استطعنا التمسك بهذه اللحظات، "داخل وخارج نطاق الزمن"، فسنجد أنفسنا حاضرين في عالم مختلف تمامًا عن حياتنا المزدحمة - نعود إلى الأرض حيث سار أسلافنا، قبل أن يُسدل الستار بين العالمين، قبل أن نبدأ في النسيان. هنا لا وجود للزمن، ولا صورة للتقدم، ولا حاجة للتملك أو التكديس. بل نحن حاضرون في الحياة التي تغذي أرواحنا وحواسنا على حد سواء. هذه هي قصة اليوم الأول، وإن استطعنا استيعابها، والشعور بكيفية مخاطبتها لنا، فسنتمكن من مساعدتها على الاندماج في صفحات حياتنا.
حينها، لا تصبح حياتنا مجرد رحلة عبر الزمن، بل رحلة روحية تجري في أبعاد مختلفة، تقودنا، كالمسيرة عبر المتاهة، إلى المركز، إلى ذواتنا الخفية التي تنتظر أن تُكتشف وتُعاش. وإذا استطعنا التخلي عن فكرة الانفصال، سنكتشف أن سرّنا جزء من سرّ الأرض، وأن أحلامنا جزء من لغزها. هذه هي النسيج الغني للعوالم المتشابكة، جزء من تراثنا، الذي يبقى في سرد القصص، حيث الأرض نابضة بالحياة، والحيوانات والطيور تتكلم، والأشجار تتواصل معنا. الوعي لا يقتصر على البشر، بل ينتمي إلى عالم حيّ نسكنه جميعًا. قوة القصة البسيطة قادرة على إعادتنا إلى أرض حية، حيث "الله حيّ، والسحر حاضر".
لكي نعود إلى قصة اليوم الأول، نحتاج إلى لحظة تُخاطبنا، لحظة تُخرجنا من قيود ذواتنا العقلانية إلى واقعٍ أكثر ثراءً وتعددًا في الأبعاد. هذا هو عقلنا الأقدم الذي يُفكر بالصور لا بالكلمات، والذي يحلم ويتسم بمرونةٍ أكبر من أفكارنا الخطية. لا يزال الأطفال يعيشون في هذه الذات ما قبل العقلانية، وكذلك الفنانون والشعراء والعشاق، وهم يُساعدون في إبقاء الباب مفتوحًا للآخرين الذين وعيهم أكثر انغلاقًا. لكن بإمكاننا جميعًا أن نتواصل ونتذكر. من هنا بدأت جميع قصصنا.
رابعاً
لأننا في نهاية حقبة، في زمن الزوال، فإننا في بداية جديدة أيضًا. هذه هي طبيعة الزمن، فهو ليس خطيًا بل دوريًا، كالفصول والشمس. وبينما نشهد انهيار أنظمتنا، أمامنا خيار بسيط: إما أن نبقى على هذه الأنماط من الاستغلال البشري والبيئي، أو أن نتخيل سبيلًا آخر للوجود يُقرّ بقدسية الخليقة جمعاء. ثمة دلائل على هذا المسار الثاني في تقاليد الشعوب الأصلية، وحكمتها الأرضية، لكن الكثير قد فُقد مع لغتهم وأراضيهم، التي جُردت كما جُردت الغابات القديمة.
في ثقافتنا الغربية، تضاءلت آثار تلك المعرفة القديمة. فقدنا تعاليم العالم الوثني ما قبل المسيحية، وورثنا بدلاً منها ثقافةً لا تُقدّس الأرض ولا تُضفي عليها سحراً، بل تُصوّرها كمكانٍ للمنفى من السماء. وقد زاد هيمنة الفكر العقلاني في القرون الأخيرة من غربتنا. فقدت الأساطير والأحلام والقصص قوتها. ولكن إن أردنا النجاة من الشتاء القادم، فعلينا استعادة قدسيتها، والسير في المشهد الرمزي لأسلافنا، والتمسك بتلك التجربة كبذرةٍ للمستقبل.
إنّ قصة اليوم الأول التي أرويها ليست سوى وسيلة واحدة لتذكيرنا بما فقدناه، وكيف يمكننا العودة إلى جنة الروح. فكما أن هناك مسارات عديدة في حديقة الروح، هناك طرق عديدة للوصول إلى البوابة. المهم هو أن نُقدّر هذا العمل الذي نقوم به في أعماقنا، وكيف يمكن أن يُرسي أساسًا للأجيال القادمة. إذا جعلنا هذا العمل تذكيرًا وتواصلًا، فسيجد أبناء أحفادنا العلامات التي يحتاجونها للمساعدة في بناء حضارة ليست منفى، بل مكانًا للانتماء. وربما، إذا وُلدت من الحب، سيبدأ قلب العالم بالغناء، ويعود الربيع إلى الأرض. ♦
يتوفر تسجيل صوتي لهذه المقالة هنا.
[1] عندما أشير إلى "البداية"، لا أقصد وصف فترة تاريخية محددة من تجربتنا الإنسانية، بل أشير إلى تجربة داخلية أسطورية للحياة، حيث تُعاش في علاقة وثيقة بالمقدس والأرض، قبل السقوط، قبل أن تصبح قصة الانفصال عن المصدر، أو الإلهي، جزءًا من وعينا. ومع ذلك، أعتقد أن هناك فترات وأماكن في تاريخنا كانت فيها هذه السمة من الوعي جوهرية لأسلوب حياتنا، كما لا يزال ينعكس في بعض الثقافات الأصلية.
[2] ترد الإشارات إلى قصة المرأة السماوية في كتاب روبن وول كيميرر، " ضفائر العشب الحلو".
COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION