Back to Stories

إعادة توطين العالم

للنباتات التي تنمو على الأرصفة تاريخٌ أقدم من تاريخنا. تُعبّر الطيور عن أخبارها بأغانيها وأصواتها. تشقّ الحشرات طريقها عبر الأرض. ترسم الغيوم جغرافية السماء، وتتحدث النجوم لغة الضوء. نحن محاطون بكونٍ حيٍّ نابضٍ بالحياة، لا نعرف عنه إلا القليل، ونادراً ما نشعر بأنه ملكٌ لنا.

في أي يوم، قد تتواصل مع الطبيعة في لحظة عابرة. ربما تُلقي نظرة سريعة على السماء، أو تُعجب بالقمر وهو يرسم لوحةً بديعةً في الظلام، أو تتوقف لتتأمل بعض الأزهار في أحد أكشاك الزهور. في العطلات، قد تسمح لنفسك بعيش علاقة حب عابرة مع البحر، أو النهر، أو سكون الطبيعة الخضراء على سفح التل. ولكن، لنكن صريحين، معظمنا ينظر إلى الطبيعة كمكان للزيارة أكثر من كونها، كما يقترح الشاعر الطبيعي غاري سنايدر ، موطننا الوحيد.

ما هي الطبيعة تحديداً؟ يمكننا أن نبدأ بتعريف ما ليست عليه :

المنظر البعيد الذي نلمحه من النافذة، في طريقنا إلى مكان ما. إنه ليس شيئًا "خارجيًا". ليس فكرة أو أفقًا. ليس "آخر".

إنها ليست نيفرلاند (البلاد الخيالية التي منحت بيتر بان وأصدقاءه هدية الطفولة الأبدية). إنها ليست ريفية ولا مثالية.

إنها ليست قاسية أو دموية أو غير متوقعة تماماً.

إنها ليست مورداً مصمماً لتلبية الاحتياجات الإنسانية. وكما قال توماس بيري: "العالم ليس مجموعة من الأشياء، بل هو مجتمع من الكائنات الحية".

ليس هو "الشيء الوحيد الحقيقي" بينما كل ما صنعه البشر هو "زائف" أو "مصطنع".

ليس من السهل تقديم تعريف إيجابي ودقيق وشامل لحقيقة واسعة وأساسية كهذه، ولكن ربما نقترب من ذلك حين نقول إن الطبيعة هي القوة الحيوية والأصلية التي تسكننا في كل لحظة، تغذينا وتحافظ على حياتنا. نحن الطبيعة، ونحن هي في كل حين، مهما بدا لنا أنها بعيدة أو قريبة في كل لحظة. نحن الطبيعة، حتى لو وجدنا أنفسنا محاطين بجدران خرسانية، بلا نافذة أو حتى لمحة خاطفة من السماء. بل قد يقول قائل إن المصباح والسرير والنعال تحته، وحتى جهاز الكمبيوتر، هي "طبيعة ثانوية" (كما وصفها بعض المؤلفين)، لأننا لا نستطيع خلق أي شيء لم يُبنَ من موادها الخام.

كيف نجد الطبيعة في أنفسنا؟ عبّرت كاثلين دين مور ، أستاذة الفلسفة الأخلاقية وفلسفة الطبيعة، عن ذلك في حديث دار بيننا حول مفهوم "البرية": "إنها في الضوء الذي يُدفئ بشرتنا، وفي الهواء الذي نتنفسه، وفي الماء الذي نشربه، وفي الحديد في دمائنا. نحن مخلوقون من تراب، والتراب مخلوق من نجوم. أعتقد أن هذا يجعلنا مخلوقات من الطبيعة."

وبناءً على ذلك، هل يمكن لأي شيء أن يقطع صلتنا بهذه الصلة؟ يقول دين مور: "لا شيء يستطيع قمع الجانب الجامح فينا. لكننا قد نفقد إدراكنا لصلتنا به. وهذه خسارة فادحة".

لا شيء يمكن أن يفصلنا عن هذه العلاقة، لأن علاقاتنا تُعرّفنا، حتى من وجهة النظر البيولوجية. هذا ما يقوله ديفيد هاسكل ، أستاذ علم الأحياء في جامعة تينيسي ومؤلف كتاب "أغاني الأشجار" .

كلنا - أشجار، بشر، حشرات، طيور، بكتيريا - كائنات متعددة. الحياة شبكة مترابطة. هذه الأنظمة الحية ليست أماكن لوحدة مثالية، بل هي أماكن تُتفاوض فيها التوترات البيئية والتطورية بين التعاون والصراع وتُحل. غالبًا ما تنتهي هذه الصراعات لا بتطور أفراد أقوى وأكثر انفصالًا، بل بذوبان الفرد في الرابطة.

يؤكد هاسكل أن الحياة شبكة، لذا لا وجود لـ"طبيعة" أو "بيئة" منفصلة عن البشر، ولسنا كائنات "ساقطة" في الطبيعة، كما زعم شعراء رومانسيون مثل ويليام بليك. ويؤكد هاسكل قائلاً: "أجسادنا وعقولنا، و'علمنا وفننا'، طبيعية وعفوية كما كانت دائماً".

رغم أننا أبناء الأرض والنجوم، فقد بنينا ثقافة طموحة أقنعتنا في نهاية المطاف باستقلالنا. نشعر ونتصرف ككائنات قوية، متفوقة، مكتفية ذاتيًا. بات تفاعلنا مع الكوكب أشبه بتفاعل سيد إقطاعي مع عبد: نمنحه فتاتًا من اهتمامنا، وفي المقابل نطلب منه الخضوع التام.

لا تستنزف هذه الرؤية موارد الكوكب فحسب، بل تُضعف أرواحنا أيضًا. فالصلة بين الطبيعة والروح واضحة حتى في اللغة. يشير بيل بلوتكين ، مرشد رحلات الرؤى الشامانية، إلى أن كلمة "طبيعة" مشتقة من " ناتوس " التي تعني "الولادة"، وأن "طبيعة" الشيء هي "المبدأ الديناميكي الذي يربطه ويمنحه هويته". بعبارة أخرى، هي جوهره. يقول بلوتكين: "بما أن الروح البشرية هي جوهر طبيعتنا، فعندما نسترشد بالروح، فإننا نسترشد بالطبيعة". هل من سبيل لإعادة هذه الصلة؟ هل ما زال لدينا الوقت لإعادة بناء هذه الرابطة؟

نعم، هذا صحيح. قد نسكن بيوتًا من الطوب، وقد نتنقل في صناديق معدنية، لكن رائحة الأرض تلاحقنا أينما ذهبنا. يقول الشاعر والمزارع ويندل بيري: "الأرض تحت العشب تحلم بغابة فتية، وتحت الرصيف تحلم الأرض بالعشب". بإمكاننا إشباع شوقنا، بإمكاننا تجديد انتمائنا. فلنحصِ السبل.

***

مقتطف من كتاب "حيث يعيش العجب: ممارسات لتنمية المقدس في حياتك اليومية" بقلم فابيانا فونديفيلا، (دار فايندهورن للنشر، 2021).

Share this story:
Enjoyed this story? Get one hand-picked story in your inbox each morning. Join 138,791 readers — free, no ads.
Subscribe Free

COMMUNITY REFLECTIONS

1 PAST RESPONSES

User avatar
Kristin Pedemonti Sep 5, 2021

Thank you. Indeed, we are all nature♡