لم تنتهِ مسيرتي في الملاكمة نهايةً سعيدةً كالمعتاد. اعتزلتُ بعد مباراتي الاحترافية الأولى والوحيدة. لم أفز قط بلقب عالمي أو حزام بطولة في عالم الاحتراف. لم تنتهِ قصتي برفع ذراعي منتصرًا في الحلبة. بل جاءت انتصاراتي بعد خروجي من الحلبة، حين أتيحت لي فرصة التأمل في الدروس التي تعلمتها في عالم الملاكمة. هذه الدروس، التي تحولت إلى لحظات إدراك عميقة، هي أعظم مكافأة لي.
الآن، وقد بلغتُ منتصف العمر، أدرك أنني لن أستطيع أبدًا استعادة أو محاكاة النشوة التي كنت أشعر بها داخل حلبة الملاكمة، والنشوة الطبيعية التي كنت أشعر بها بعد الفوز، والأدرينالين الذي كان يتدفق في عروقي أثناء القتال، والإعجاب الذي كان يغذي غروري قبل وأثناء المباريات. الطريقة الوحيدة لاستعادة هذه المشاعر هي ممارسة الملاكمة مجددًا، لكن توجيه اللكمات لا يتناسب مع شخصيتي اليوم.
الغضب الذي شعرت به قبل عقود، والعدوانية التي أشعلت ناري في المعركة، أصبح الآن هديرًا خافتًا. نعم، ما زال الغضب موجودًا. لكنني وجدت طرقًا أخرى للتعامل معه، والأهم من ذلك، الطريقة التي أنظر بها إلى الغضب الآن، وما الذي سبب قلقي في المقام الأول. تطلبت هذه العملية نظرة صادقة وعميقة إلى نفسي، وأدركت أن بناء هذا الوعي الذاتي جهدٌ مدى الحياة، لذا فأنا لا أنتهي منه أبدًا. التحديات والنكسات وخيبات الأمل جزء من كوننا بشرًا. لقد تعلمت حكمةً من الحوادث التي ظننت أنها ستكسرني. الحقيقة هي أنني ما زلت هنا، وبالنظر إلى الماضي، أدرك أن معركتي لم تكن أبدًا في الحلبة. كانت المعركة مع نفسي، مع أفكاري، مع نموذجي القديم. كان عليّ أن أُحدث تحولًا داخليًا؛ وإلا لكنت بقيت في ساحة المعركة تلك، بلا حماية إلى الأبد.
بعد أن تركت الملاكمة، استغرق الأمر سنوات لأستعيد نفسي، محاولًا فهم رحلتي في الحلبة، والظروف غير المتوقعة التي قادتني إليها، والأهم من ذلك، لماذا عرّضت نفسي لكل هذا الألم. بعد كل المعارك التي نجوت منها في طفولتي، انغمست في القتال مجددًا كشخص بالغ، متخذًا قرارًا واعيًا بتعريض نفسي للألم مرة أخرى. نعم، الألم في الحلبة مختلف لأن الملاكمة رياضة. لكن طوال فترة ممارستي للملاكمة، كنت أدرك أن وجودي هناك عميق. كان الأمر كما لو أنني أعيد خلق الألم الذي عانيته في طفولتي من خلال الملاكمة، التي منحتني متنفسًا للتعبير عن غضبي، والتغلب على خصمي، والسيطرة التي لم أمتلكها قط في صغري. عندما ابتعدت عن الملاكمة، كان عليّ أن أجد طرقًا لتجاوز غضبي واكتئابي واستيائي دون خوض القتال. كان عليّ أن أجد قوتي في حلبة حياتي الخاصة.
مع ذلك، كانت الملاكمة حافزًا لتحوّلي، رياضةٌ زاخرةٌ بالاستعارات ساعدتني على رؤية حياتي بمنظورٍ مختلف. لم تكن الملاكمة مجرد قتالٍ في الحلبة، بل كانت صراعًا مع ذاتي . لم تكن الملاكمة مجرد إسقاط الخصم بالضربة القاضية، بل كانت مواجهة شياطين الماضي الداخلية، ومواجهة ذكرياتي وجهاً لوجه، والبقاء شجاعًا مهما بلغت درجة خوفي منها. كان الجزء الأصعب هو تعلّم كيفية احتضان أعمق آلامي، ومحبة جوانبي المكسورة، وتقبّل حقيقة أن بعض الجروح لا تلتئم أبدًا. بل إنها تتصلب، فتخفّ حدة الصدمة الأولى، لتكون بمثابة تذكيرٍ بأن البقاء هو الأهم.
عندما كنت أمارس الملاكمة، ظننت أنني وجدت علاجًا لكآبتي. لكن عندما اعتزلت، أدركت تمامًا أن هذه الرياضة كانت مجرد متنفسٍ مؤقتٍ لما كنت بحاجة لمواجهته. عندما تركتها، عادت إليّ آلام الماضي بكل قوتها. لم يعد لديّ ذلك الحماس الذي كانت تمنحني إياه الملاكمة لأنسى كل ما مررت به، وعدت إلى نقطة الصفر. لكنني وصلت إلى مرحلة من الوعي ساعدتني على بناء آليات للتأقلم. كان التسامح جزءًا من هذه العملية؛ لم يجعلني أنسى ما حدث، لكنني كنت أعلم أن عدم التسامح سيقضي على روحي.
لم يأتِ الألم الذي تجاوزته من شفاء الكدمات والإصابات التي تعرضت لها خلال التدريب والمبارزة وتلقي اللكمات. كان الشفاء الجسدي سهلاً. أما شفاء قلبي وعقلي وروحي ومشاعري فكان صعباً، وتحدياً ما زلت أتغلب عليه حتى يومنا هذا. الفرق بين الماضي والحاضر هو أنني أتقبل هذا التحدي كجزء من الطبيعة البشرية. لقد أدركت أن الحياة تعني المعاناة، وهذه المعاناة جزء جميل وطبيعي من كوننا بشراً.
قبل بضع سنوات، تعمقتُ في البوذية، وهي فلسفةٌ تُلامس روحي، وتبدو لي أكثر منطقيةً من أي دينٍ عرفته في صغري، مع أنني ما زلتُ ممتنًا لتعاليم "علم العقل" التي عرّفتني عليها والدتي في الثانية عشرة من عمري. يؤمن البوذيون بأن "الحياة معاناة"، وهذا التعليم يُساعدني على خوض غمار الحياة بصدق. لن أكذب وأقول إن تنويري قادني إلى النيرفانا. لم أصل قط إلى السعادة المطلقة، التي استنتجتُ أنها مُبالغٌ في تقديرها. ما هي السعادة أصلًا؟ بل وجدتُ حالةً من النعمة، وهي أسمى وأعمق من السعادة. كما جاء في رسالة أفسس: "لأنكم بالنعمة مُخلَّصون، بالإيمان...".
النعمة هي حالة من القدرة على إدارة مشاعري، والشعور بألمي الداخلي، وتركه يتدفق حتى أتجاوزه. لا يزال الماضي يطاردني بين الحين والآخر، ومعرفة أن السبيل الوحيد للخروج منه هو مواجهته يساعدني على التأقلم. كان عليّ أيضًا التوقف عن محاولة كبت هذه المشاعر، لأن مقاومتها زادتها قوة. وهذا يذكرني بمقولة كارل يونغ: "ما تقاومه، يستمر".
عندما تُثير ذكريات مؤلمة من ماضيّ مشاعري، أسمح لنفسي بالشعور بالألم بكلّ تفاصيله حتى يخفّ. تتحوّل الذكرى، كأنني أشاهد صورًا على شاشة سينما منفصلة عنّي. أحيانًا، عندما أشاهد هذه الصور المتحركة في ذهني، أشعر وكأنّ تلك الأحداث وقعت لشخص آخر. وبطريقة ما، هي كذلك، لأنني لم أعد ذلك الشخص. يكاد الأمر يكون كما لو أنني عشتُ حيوات عديدة بشخصيات مختلفة، كلّها قادتني إلى هذه اللحظة. اليوم، أنا نتاج كلّ تلك الأجزاء. أؤمن بأنّ هناك ندوبًا تُشكّل هويتنا، ولولاها لما وُجدنا. أحبّ الندوب التي صنعتني، والألم الذي صقل شخصيتي، والتجارب والظروف التي كوّنتني. توقّفتُ عن تمني عدم حدوث تلك الأحداث في الماضي. لا جدوى من ذلك. لا أستطيع تغيير التاريخ. لا أملك سوى التحكّم في ردود أفعالي تجاه الذكريات من خلال التحرر منها. بمحاولتي كبت الذكريات والمشاعر، كنتُ أنكر أجزاءً من نفسي. يجب أن أحب النور والظلام، والفرح والألم، وخاصة الألم، لأن الألم هو الذي صنعني كما أنا.
***
لمزيد من الإلهام، انضموا إلى جلسة "أويكين كول" مع أليسيا دويل يوم السبت! تجدون المزيد من التفاصيل ومعلومات التسجيل هنا.
COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
1 PAST RESPONSES
Thank you Alicia. Here's to grace.♡
Your notion about scars brings to mind the Japanese art of Kintsugi: mending broken pottery with glue and gold. The idea is to honor and celebrate the cracks, illuminating them rather than hiding them. As a survivor of multiple family traumas and childhood sexual molestation, this notion of my scars being honored and not having to be hidden, has been powerful in my reclamation of my worth.
Today at age 54, I recently completed my Master's in Narrative Therapy Practices which honors the many layers of external influence that impact how we see ourselves and others. I developed a new practice: Kintsugi Narrative in which we explor metaphors of broken, pieces, glue, mending. I wok with survivors of abuse and trauma. I'm forever grateful to witness them arrive to more grace for themselves through this practice. ♡