Back to Stories

مسك جزء من الألم

نُشرت مؤخرًا تدوينتي بعنوان "تقديم هدية ذات قيمة" على موقع DailyGood.org . وقد اطلعت محررة موقع Courageous Creativity على المقال وأبدت اهتمامًا به، فتواصلت معي على أمل أن تُبدي ابنتي ذات التسع سنوات رغبةً في كتابة مقالٍ عن أسلوبها العفوي في تقديم الهدايا.

بينما كنت أقرأ رسالة المحرر، انتابني شعورٌ طفوليٌّ غامرٌ بالفرح. ورغم رغبتي الشديدة في الموافقة، أدركتُ أن ذلك غير مناسب. فمجرد أن يكون هذا حلمي في طفولتي، قد لا يكون كذلك بالنسبة لابنتي. كنتُ أتمنى أن تستغل هذه الفرصة الفريدة، لكنني قررتُ ألا أضغط عليها؛ فالقرار قرارها وحدها.

في ذلك المساء، بينما كانت ابنتي تستعد للنوم، أخبرتها عن البريد الإلكتروني الذي تلقيته من محررة مجلة " الإبداع الشجاع ". وبكل بساطة، سألتها: "هل ترغبين في كتابة مقال عن سبب شعوركِ بالسعادة عند تقديم الهدايا؟"

فجأةً، برز الرأس الذي كان يختفي وسط كومة من الفانيلا من فتحة في قميص بيجامتها. سألت ابنتي بحماس: "نُشر... كما في مجلة حقيقية؟"

لم تكد كلمة "نعم" تخرج من فمي حتى قفزت طفلتي في الهواء وصرخت قائلة: "نعم، سأفعل! سأفعل!" ودون تردد، سألت بحماس: "هل يمكنني البدء على الفور؟"

رغم اقتراب موعد النوم، كنتُ في غاية السعادة بحماسها. عرضتُ عليها عشرين دقيقة للكتابة. ركضت كاتبتي الصغيرة المتحمسة لتجلب قلمًا وورقة، ثم جلست بجانبي على الأرض. مع أن طبيعتي تميل إلى التوجيه والإرشاد وتقديم الاقتراحات، إلا أنني لم أنبس ببنت شفة. كانت هذه قصتها، وليست قصتي. لذلك، كنتُ أعلم أن الكلمات ستكون كلماتها، لا كلماتي.

وهكذا جلسنا أنا وابنتي في هدوء وسكينة غرفة نوم طفلتي ذات اللون الأصفر الليموني، كلٌّ منا يكتب القصص التي تنبع من قلبه. كتبت ابنتي " العطاء من القلب "، بينما كنتُ أعمل على تدوينة.

مرت الدقائق العشرون بسرعة، وسرعان ما حان وقت النوم. وافقت ابنتي على مضض على مواصلة العمل على قصتها قليلاً في اليوم التالي.

بعد جلسة كتابة أخرى استمرت عشرين دقيقة في الليلة التالية، أعلنت ابنتي أن عملها جاهز للعرض. وقد حظيتُ بشرف تقديمه.

في الفقرة الأولى، لاحظتُ، بصفتي معلمة، فكرة رئيسية واضحة وتنظيمًا متقنًا. قررتُ أن أشكر معلمتها على جهدها المميز في تعليم ابنتي كيفية كتابة سرد قصصي مؤثر.

واصلت القراءة، ظنًا مني أنه لن تكون هناك مفاجآت. ففي النهاية، كنتُ هناك في ذلك اليوم الذي قام فيه طفلي ذو القلب الكبير بتغليف أدوات النظافة والكتب المستعملة على أمل إدخال البهجة على قلوب المشردين في مدينتنا.

لكن مع استمراري في القراءة، أدركت أنني لا أعرف كل شيء.

وما تعلمته غيّر كل شيء.

وصفت ابنتي رحلتنا بالسيارة إلى قلب المدينة. بدأت قصتها عندما رأينا مئات المشردين متجمعين للحصول على الطعام. أتذكر تمامًا شعوري في تلك اللحظة. كنت خائفة. أردت حماية أطفالي، وتغطية أعينهم، وتجنيبهم رؤية هذا اليأس والضياع وانعدام الأمل. أتذكر أنني فكرت: هذه فكرة سيئة.

لكن رغم رغبتي الشديدة في التوسل إلى زوجي لكي يعود بالسيارة، لم أفعل. والآن، مع كلمات طفلتي المؤثرة التي تحدق بي، تأكدت أن المضي قدمًا في ذلك المشهد المؤلم كان الخيار الصحيح لطفلتي. في تلك اللحظة، كان الخوف آخر ما يخطر ببالها. كتبت:

كنا في وسط مدينتنا عندما مررنا بمشهد لن أنساه أبدًا. كان هناك العديد من المشردين متجمعين حول شاحنة متهالكة. كان رجلٌ على متن الشاحنة يرفع برتقالة ويقول "عيد ميلاد مجيد"، ثم يرميها ليلتقطها أحدهم. عندما رأيت الناس يتدافعون للوصول إلى البرتقال، انقبض قلبي. كانوا يتقاتلون من أجل قطعة فاكهة. هذا هو مدى شحّ ما يملكون.

بجانب الشاحنة، رأيتُ رجلاً مسناً، ربما في الستينيات من عمره. كان يأكل شطيرة مع برتقالة، فقلت في نفسي: " أريد مساعدة هذا الرجل". نزلتُ من السيارة بسرعة، وأعطيته هدية، وقلت: "عيد ميلاد مجيد يا سيدي". كان يبدو عليه الحزن الشديد قبل قليل، ولكن بينما كنا ننطلق، رأيتُ ابتسامة على وجهه. شعرتُ بسعادة غامرة!

فجأةً، اتضح كل شيء. بعد ذلك اليوم المهم في وسط المدينة، ازدادت عادة ابنتي في العطاء. في الواقع، لم يعد هناك شيء تملكه ابنتي لا يمكنها التخلي عنه. كنت أجد صناديق مليئة بأثمن ممتلكاتها في الخزانة. كانت تشرح محتويات الصناديق قائلةً: "في المرة القادمة التي نذهب فيها إلى مركز التوحد..." أو "في المرة القادمة التي يحدث فيها إعصار ...". لاحظت أيضًا أنه بعد تجربة البرتقال، أصبحت ابنتي تحرص على حمل الدولارات في حقيبتها إذا كنا ذاهبين إلى المدينة. وبينما كنا نسير في الشوارع المزدحمة، كانت عيناها تبحثان عن كوب أو قبعة تضع فيها دولاراتها التي كسبتها بشق الأنفس، فترسم البسمة على وجه أحدهم.

أتذكر حين نادتني ذات يوم إلى الحاسوب لتُطلعني على فيديو لطفل وأمه يضطران للمشي لساعات طويلة لجلب الماء - ماء ملوث وقذر. وبينما كانت الدموع تنهمر على وجهي، واسَتني ابنتي قائلة: "لا تبكي، هناك طريقة لمساعدتك". ثم شرعت في سرد ​​كل شيء عن " ماء الحياة " وكأنها أصغر (وأكثر) المتحدثين باسمهم إقناعًا.

الآن وقد فكرت في الأمر، لطالما انجذبت طفلتي إلى معاناة العالم، وكانت دائماً تتوق لمعرفة العالم على حقيقته. منذ صغرها، كان سؤالها المتكرر في جلسة الحديث المسائية: "أمي، أخبريني بشيء سيء حدث في الأخبار اليوم".

نظرتُ إلى عينيها البنيتين الكئيبتين، وأنا أعلم تمامًا أن هذه الطفلة الذكية ستجد طرقًا لمعرفة ما يدور في العالم إن لم أخبرها. لذا، وبتردد، شرحتُ لها بكلماتٍ تفهمها الفظائع التي واجهها الكثيرون، والمخاطر الكامنة، وأولئك الذين فقدوا الكثير. ثم وقفتُ أراقبها وهي تستوعب كل كلمةٍ مؤلمةٍ أقدمها لها. مرارًا وتكرارًا، كنتُ أخشى أن يكون الأمر يفوق طاقتها، ويُرهقها، ويُقلقها. ففي النهاية، مشاكل العالم هائلةٌ ولا تُحل. على الأقل هذا ما كنتُ أعتقده.

لكن بفضل قلب طفل، أصبحت أعرف الآن بشكل مختلف.

في ذلك اليوم عندما دخلنا المدينة بالسيارة، رأت ابنتي بأم عينيها العالم الذي تحدثت عنه والدتها - العالم الذي يمكن أن يكون قاسياً، وجائعاً، ويائساً، وبارداً.

لكنها لم تكن خائفة.

لا، لقد كانت تنتظر هذه اللحظة، وتحلم بهذه اللحظة، عندما تستطيع أن تفعل شيئًا للمساعدة.

كما ترى، لم تنظر عيناها الصغيرتان، وهما في الثامنة من عمرهما، إلى ذلك المشهد فترى قضايا عالمية جسيمة كالفقر والعنف والمعاناة واليأس. بل رأت رجلاً واحداً يمكن أن يُشرق يومه بأكمله بقطعة فاكهة بسيطة. مجرد قطعة فاكهة.

وعندما ترى شيئاً مؤلماً وجميلاً في آن واحد، يتغير كل شيء.

اقتربت طفلتي مباشرةً وحدقت في عيني رجلٍ يعاني. شاهدت بذهولٍ دموع الفرح تتجمع في عينيه لمجرد وجودها المفاجئ في شارعٍ كئيبٍ في يومٍ باردٍ من شهر ديسمبر. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت هذه الطفلة معطاءةً بكل معنى الكلمة.

لأنه عندما تمتلك أهم الأشياء في الحياة - مثل الحب والإيمان والعائلة - فلا يوجد شيء تملكه لا يمكنك التخلي عنه.

Share this story:

COMMUNITY REFLECTIONS