Back to Stories

إيجاد المعنى في العصر الرقمي

"لو كنت محظوظًا بقدرة محدودة على الوصول إلى عقلي، لما كان هناك سبب للكتابة". ~ جوان ديديون

كنتُ على مائدة عشاء والديّ. أمامي دفتر يوميات بالٍ بصفحات رقيقة باهتة اللون، ونصٌّ أنيق يتلاشى تدريجيًا.

كانت مذكرات جدي، وهي الآن ملك والدي. لم أعرف جدي قط. توفي في الأشهر التي سبقت ولادتي، وسمّاني في أيامه الأخيرة رغم عدم وجود دليل على أن المولود سيكون فتاة. في حياتي كشخص مغترب، لم أزر منزله الذي عاش فيه، والأماكن التي تردد عليها، والأشخاص الذين ساهموا في رحلة حياته.

كنتُ على وشك دخول عالمه، من خلال الكلمات التي تركها وراءه. شممت عفن عقود من البلى والتلف، ولمست نعومة الورق الذي أصبح ناعمًا مع مرور الزمن. وفي غضون دقائق، أسرتني قوة الكلمة المكتوبة. إنها تعزف على قدرة العقل البشري على السفر عبر الزمن، وتحملنا ذهابًا وإيابًا في تفاعلٍ رائع بين الماضي والحاضر والمستقبل. في النص الساحر أمامي، انتقلتُ إلى عصرٍ آخر، حيث كان الضيوف يصلون بلا سبب سوى التواصل، ويُجبرون على البقاء لتناول العشاء. عصرٌ كان فيه الطعام فنًا يوميًا، يُخطط له ويُحضّر ويُستمتع به بصحبة الآخرين. عصرٌ كان فيه الناس يتوقون لإيقاف حياتهم مؤقتًا ليحتضنوا صراعات بعضهم البعض. كل هذا انعكس عليّ في جمال الكلمات التي تدفقت معًا لتتصل بعقل الكاتب وتفهم العالم الذي يعيشون فيه. بقراءة الكلمات التي كتبها جدي منذ دهور، شعرتُ بعلاقة غريبة معه لم تُثرها قصصه.

يبدو أن هذا النوع من الكتابة قد ضاع منا اليوم. فحب الكلمات، والعناء في صياغة الجمل، والجانب الأخلاقي للكتابة الجيدة، الذي يُلزمنا بإيلاء أنواع معينة من الاهتمام لتجاربنا، يبدو أنه قد استسلم لسرعة عصرنا. لقد اعتدنا على الكتابة في مقالات قصيرة لجمهور يبحث عن الراحة والترفيه، ويتوق إلى المعلومات. فلا عجب إذن أن هناك ما يقرب من 200 مليون مدون على الإنترنت، وتُنشأ مدونة جديدة في مكان ما من العالم كل نصف ثانية. فبدلاً من أن تُثري حكمتنا الجماعية، تُشبع هذه الكتابات إلى حد كبير بفظاظة الطبيعة البشرية وسطحية عصرنا ونفاد صبره. هناك "ثلاث خطوات سهلة" لأي شيء يمكن أن تتخيله، وموجزات أخبار تافهة لا نهاية لها تُغير المسافات في دقائق وتُضلّلنا بخلط المعنى بالمعلومة.

هذا لا يحرمنا من مهارة كتابة نثر بليغ فحسب، بل يمنعنا أيضًا من التعمق فيما هو مهم حقًا. الكتابة تُذلّلنا بطريقة حيوية لنمو شخصياتنا، بتذكيرنا بحدود الذات ومكاننا المناسب في تدفق الحياة الواسع. الكتابة تُحررنا من طغيان الأنا، بمساعدتنا على التعمق في المجهول، وتجعلنا نرتاح لقلق الغباء. فحينها نتخلى عن التصورات والمعتقدات التي تُقيدنا، وننفتح حقًا على سحر العالم من حولنا.

الكتابة تمنحنا الشجاعة لمواجهة ما يحدث دون أن نفقد صوابنا. إنها تتيح لنا اختيار المعاناة على الأمان، كما فعل سي. إس. لويس في رواية "شادولاندز" . لأن المعاناة ليست معاناةً عندما تكون كذلك، فهي تساعدنا على إيجاد معنى لتجاربنا وفهم عالمنا. إن التعايش مع ألم الظروف الغامضة وطرح الأسئلة التي تبدو بلا إجابات، هو ما يُمكّننا غالبًا من الوصول إلى أفضل إجابة ممكنة. ففي النهاية، الحياة هي ما نعيشه، والمعنى لا ينبع من عقولنا، بل من خلال رحلاتنا.

رأيتُ كل هذا في كتابات جدي. رحلته الداخلية وهو ينجو من تقسيم شبه القارة الهندية، ويعاني من عواقب فقدان الثقة مرارًا وتكرارًا، ومع ذلك لم يفقد الأمل أبدًا في طيبة الروح البشرية. ورأيتُ ذلك مرارًا وتكرارًا في كتابات أعظم مفكري البشرية، الذين تستمد حكمتهم في معظمها من الإنترنت الذي نعتبره مصدرنا الوحيد للمعلومات. تعكس كتاباتهم تفكيرًا عميقًا في قضايا ذات أهمية إنسانية، لدرجة أن تي إس إليوت لم يكتب أكثر من 150 صفحة شعرية طوال مسيرته ، وكتب جيمس جويس "يوليسيس" بمعدل مئة كلمة يوميًا.

بخوض رحلةٍ داخليةٍ وفهم عوالمنا الداخلية، نتذكّر أنه تحت كل طبقات الصبغة النفسية والاجتماعية، تكمن إنسانيةٌ مشتركةٌ تتشارك الآلام نفسها، وتتلذذ بالأفراح نفسها، وتعيش لنفس الغاية. وكما أشار شيروين نولاند في كتابه " كيف نموت" : "كلما كنتَ أكثرَ خصوصيةً في تفاصيل حياتك، زادتَ عالميتك".

ونتذكر أيضًا عجائب العالم الباطني. فعندما نتأمل فيه، نجد أننا جميعًا هنا لفعل الخير. إنه ما يضمن بقاءنا البيولوجي ويجلب لنا المتعة الروحية، لو توقفنا وتأملناه وسط كل مشتتات الدنيا.

ليس امتيازًا حكرًا على فئة معينة منّا. فالبحث عن المعنى، في نهاية المطاف، سعيٌّ إنسانيٌّ عالمي. لحسن الحظ، الحياة صعبة، غامضة، ويصعب فهمها. حاز أندريه جيد على جائزة نوبل في الأدب لـ"حبه الجريء للحقيقة وبصيرته النفسية الثاقبة". قد لا نفوز بجائزة نوبل أبدًا. ولكن بتأمل تجاربنا بعمق، والكتابة عنها بنزاهة، يُمكننا تلبية نداء الروح بأفضل استجابة ممكنة.

Share this story:

COMMUNITY REFLECTIONS

5 PAST RESPONSES

User avatar
Badger Badgerism May 25, 2016

here you go mr positive TRY TO SPIN THIS: ALL WHITE WOMEN 100% of ALL WHITE WOMEN WANT TO MATE OR BREED OR HAVE SEX WITH BLACK MEN ONLY..sending the white race into extinction
THAT MR POSITIVE IS REALITY...try to spin that

User avatar
Badger Badgerism May 25, 2016

this article is a waste of time THERE IS NO MEANING ANYMORE all is lost all is done for
IT IS OVER..there is nothing worth a damn in this world anymore you NEED TO PUT THAT AS the STORY...because that is the truth

User avatar
Elle Green May 23, 2016

I just noticed you are a positive psychology coach..why would you characterize all blogs as vulgarities? This is negative psychology. Please rethink that part of your otherwise lovely expression - as I wrote before, you can make the same point without putting down another. Please be mindful that you're reaching people to uplift and educate and thus do so within the realm of your 'practice' - Positive Psychology. Your article is deeply meaningful otherwise. Thanks.

User avatar
Elle Green May 23, 2016

Nice article (blog) though I don't understand why you need to put down one form of communication (negativity) in order to express your point of view. Not all blogs are sound bites and they allow people to connect. There is space for both. I'm glad you have your grandfather's journal. Writing by hand is good in that it exercises the brain. I find I express the same thing differently when typing than writing by hand also. Thanks for sharing bit's all good.

User avatar
Kristin Pedemonti May 23, 2016

Thank you for this reminder today! It comes at the perfect time. I have kept gratitude journals since 1999, had fallen off for a while and revisited recently. My concern became this: I have no children, who would ever want to read these? I've a rubbermaid container filled with them sitting in the basement of my mother's house.... Whew. I suppose it is OK to keep writing them if for no one else but me.