Back to Stories

كيف تصبح ناشطًا تواجديًا

يزورني صديق من خارج المدينة، ويقيم في شرق أوكلاند، في منطقة تشتهر بعنف العصابات والاضطرابات. هذا الصديق راهب. يحلق رأسه ويرتدي الثياب البنية التقليدية لرهبنته - ليس من النوع الذي يندمج بسهولة في الخلفية. بعد سنوات طويلة من التعاطف، يتصرف بوعي في المواقف الصعبة، ويسعى جاهدًا لنشر الخير. لذلك خرج في نزهة، لمجرد التفاعل مع المجتمع. وبينما كان يسير في الجادة الخامسة والثلاثين، صرخ عليه شابان من الشارع ذوا مظهر صارم:

"يا رجل!"

التفت ونظر إليهم وقال: نعم؟

"هل أنت راهب بوذي؟"

"نعم أنا."

"أنت تبدو مسالمًا جدًا، أيها الرجل!"

بمجرد وجوده - طريقة مشيته، وخطواته، وزيه ورأسه المقصوص، وتعابير وجهه، وأفكاره ونواياه - فقد أوصل رسالةً مؤثرة، في سياقٍ لم يكن أحد يتوقعه. إنها قصةٌ مؤثرة، ولكن في الواقع، يمكن لأيٍّ منا أن يُكوّن هذا النوع من الحضور.

ماذا لو تعاملنا مع كل تفاعل بنية العطاء الكامل وغير المشروط؟ يتجاوز العطاء المادي، وبطريقة تراعي السياق. في لحظة ما، قد يكون مجرد الإنصات، أو مشاركة كلمة تشجيع، أو القيام بعمل طيب. ما نقدمه يكاد يكون ثانويًا. ولكن للوصول إلى مرحلة الرغبة في العطاء، علينا أن نتغلب على شعورنا بالندرة.

في مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة نيويورك تايمز ، يستشهد ديفيد بروكس بأبحاث حول آثار الندرة على العقل. في إحدى الألعاب، طُلب من طلاب جامعة برينستون الإجابة على أسئلة في فترة زمنية قصيرة، ولكن مُنحوا خيار استعارة وقت من جولات لاحقة. ورغم ارتفاع معدل ذكائهم، انتهى بهم الأمر باستعارة وقت بمعدلات هائلة، مما أضرّ في النهاية بأداءهم على المدى الطويل في اللعبة. لذا، يتبين أن التحدي الحقيقي للندرة لا يكمن فقط في الظروف الخارجية أو حتى في قدراتنا المعرفية، بل يكمن جوهره في كيفية استجابتنا الداخلية للندرة.

يمكن أن تتجلى سيكولوجية الندرة هذه بوضوح في علاقاتنا. أحيانًا ننشغل بما نريده من موقف أو شخص لدرجة أننا نفقد مرونة عقولنا لرؤية أي شيء آخر. إذا أصبحنا نركز بشدة على ما لا نملكه، فإننا نبدأ بالنظر إلى العلاقات بعين ثاقبة لما يمكن أن تقدمه لنا. تحكمنا أسئلة مثل: "ماذا يمكن لهذا الشخص أن يقدم لي؟ ماذا يمكنني أن أستفيد من هذا الموقف؟" يكمن جوهر التوجه نحو الذات في شعورنا بأن الكأس نصف فارغة.

مفتاح التخلص من هذا الشعور بالندرة هو الامتنان. الحقيقة هي أن نصف الكأس فارغ ونصفه ممتلئ، ولكن كما يقول الكاتب خوليو أولالا ببراعة : "بدون امتنان، لا شيء يكفي". عندما نبدأ بالشعور بالامتنان لكل ما نملك، ندرك الوفرة في حياتنا. بالطبع، هناك صحتنا ومواردنا وفرصنا، ولكن أيضًا الامتنان لمجرد كوننا على قيد الحياة، وتواصلنا مع الكثير، وقدرتنا على اختيار حالتنا الوجودية.

بتقييم حياتنا بهذه الطريقة، نستقبل هذه الأشياء كهدايا حقيقية، وهذا ما يُحوّلنا إلى حالة من الوفرة. نُدرك أن لدينا ما يكفينا، وأننا نملك ما يكفينا. نبدأ بالبحث عن الفرص في كل مكان، باحثين فقط عن طرق للتعبير عن امتناننا. تُصبح جميع علاقاتنا - مع العائلة والأصدقاء والزملاء والمعارف - هدفًا مشروعًا، وكذلك تفاعلاتنا مع الغرباء تمامًا.

قبل بضع سنوات، في وسط مدينة شيكاغو، قررنا نحن العشرة تجربةً جديدة. لإيجاد ذريعة للتواصل مع من نمرّ بجانبهم باستمرار، جهّزنا 150 وجبة غداء معبأة، وانقسمنا إلى مجموعات من ثلاثة أشخاص، وتجولنا في الشوارع. لم تقتصر الفكرة على الغداء فقط، بل كانت استكشاف كرمنا الحقيقي في كل تفاعل. لذا، مع كل من بدا بحاجة إلى غداء، بدأنا بتقديم هديتنا، ثم تركنا الأمور تجري على طبيعتها. كان البعض يقبل بصدر رحب، ثم ينصرفون بسرعة؛ وكان آخرون يرفضون الوجبة رفضًا قاطعًا؛ وكان البعض الآخر يفتقر حتى إلى القدرة العقلية على استيعابها؛ وكان آخرون يتفاعلون معنا، بل ويتأثرون حتى البكاء.

لكننا كنا من تعلمنا الدروس. أكثر ذكرياتي وضوحًا هي رؤية رجل أمريكي من أصل أفريقي ينتظر عبور الشارع. لا بد أنه كان في أواخر الأربعينيات من عمره، يرتدي سترة جلدية، وشعرتُ أنه قد يرغب في تناول وجبة. وبينما كنا نقترب من بعضنا، وقبل أن أنطق بكلمة، مدّ يده راغبًا في مصافحتي.

صافحته وأعطاني عناقًا كبيرًا من القلب، وقال: "شكرًا لك".

"لماذا؟" سألته. لم أكن قد عرضت عليه الغداء بعد.

هزّني ردّه. "لاهتمامك. أنا عاطل عن العمل منذ أربعة أشهر، أكافح في الشوارع. والجميع يمرّون دون أن ينظر أحدٌ في عينيّ. من نظرتك إليّ، أدركتُ أنك تهتمّ."

عرضتُ عليه الغداء، لكن ذلك أصبح ثانويًا؛ لم يأخذه حتى، وفي دقيقة واحدة، انطلقنا. في تلك الفترة القصيرة، أعطاني لمحةً عمّا يُمكن تحقيقه عندما نتعامل مع أي موقف بنية بسيطة، وهي العطاء بلا شروط. تعلّمتُ أن أعظم هبة يُمكننا مشاركتها هي حضورنا، وأن هذه الإمكانية المُشرقة موجودة في جميع علاقاتنا. أدركتُ حينها أنه يُمكننا جميعًا أن نُصبح نشطاء حضور.

Share this story:

COMMUNITY REFLECTIONS

3 PAST RESPONSES

User avatar
Dianne Sep 15, 2013

I always think it sad that we can pass others within inches and never LOOK at the other person. I talk to others wherever I go. Always trying to connect with just a smile.

User avatar
Ganoba Date Oct 19, 2011

Most of the time my mind is without any intention. I neither want to contribute nor receive. I have no preset intention to improve the environment or the lives of people i come across. I feel any prejudgment  is presuptuous and interferes with being present. The mind is just a blank.
This has helped me to have many satisfying encounters most of the time.

User avatar
sista_friend Oct 18, 2011

A bit of a dramati cexample...we've got male privilege, plus the average thug does not know what 'Buddhist' or 'monk' is.