بدأت طفولتي في السنوات الأخيرة قبل عصر الحواسيب. ومع ذلك، عاش أطفالي وطلابي حياتهم بأكملها مع أصواتٍ وأزيزٍ وإشاراتٍ من قنوات معلوماتٍ متعددة. ويشعر الآباء والمعلمون على حدٍ سواء بالقلق إزاء تأثير تعدد المهام المستمر على نمو أدمغة الأطفال.
الأطفال - أبناء العصر الرقمي - يسبحون براحة في سيل المعلومات، وغالبًا ما يتوقون إلى إحساس التنقل بين الشاشات، والقنوات، والموازنة بين المهام طوال اليوم. تكمن المشكلة، وفقًا لعلماء الأعصاب، في أن تعدد المهام يُغيّر أدمغتنا البشرية، إذ نُعطي الأولوية للموازنة بين المهام على التعمق في التفكير والعلاقات والتخطيط.
لكن بعيدًا عن إلحاحنا المستمر على أطفالنا لفصلهم عن الأجهزة الإلكترونية، ما الذي يمكن للآباء والمعلمين فعله لمساعدتهم على تطوير عادات ذهنية تُسهم في حياة سعيدة وتفكير إبداعي عميق؟ حضرتُ مؤخرًا عرضًا تقديميًا رائعًا لعالمة الأعصاب والمعلمة جوان ديك ، التي شاركت أفكارًا عملية، تستند إلى أبحاث علمية رصينة، ستساعدنا على مساعدة أطفالنا.
وما هو الأفضل من ذلك؟ هذه الأفكار مفيدة للكبار أيضًا، فإذا استطعنا تطبيق ما ننصح به، سنساعد أنفسنا أيضًا على التركيز.
1. لا تخلط بين أداء مهام متعددة والتفكير العميق.
إن القيام بالكثير من العمل في وقت واحد قد يُعطينا انطباعًا خاطئًا بأننا نعمل بكفاءة أكبر. لكن الدراسات تُظهر أن مضاعفة المهام تزيد من الأخطاء وتمنعنا من إنجاز أي شيء على أكمل وجه.
هذا لأن "تعدد المهام" غير موجود، من الناحية العصبية. فعندما نُوزّع المهام، لا نعمل بعمق؛ بل نُنجز جزءًا من شيء واحد في كل مرة، بالتتابع، ونسمح لأنفسنا بالانقطاع باستمرار.
كما أوضح ديك للمعلمين في المؤتمر، فإن الانتقال من نمط إلى آخر يؤدي حتمًا إلى فقدان التركيز في النمط الأصلي. إذا كنت منغمسًا في كتابة مقال، على سبيل المثال، وسمعتَ صوت رسالة نصية واردة، فإن تركيزك العميق سينقطع ويتطلب جهدًا لإعادة بناءه. إن انقطاع تدفق تركيزك يعني صعوبة العودة إلى التفكير العميق. علينا أن نعلم الأطفال الحد من المشتتات وإنجاز مهمة واحدة في كل مرة.
2. أعطِ المتعلمين الوقت للإدخال، ثم المعالجة، ثم الإخراج.
كما أوضح ديك، يمكننا استيعاب معلومات جديدة بالاستماع، أو القراءة، أو النظر، أو سماع محاضرة، أو مشاهدة فيلم. ومع ذلك، بمجرد أن نحتاج إلى معالجة تلك المعلومات لتخزينها في الذاكرة، يجب إيقاف قناة الإدخال مؤقتًا. عندما نعالج تلك المعلومات، نقوم بفرزها، وتصنيفها، وتلخيصها، أو ترتيبها بطريقة أخرى، مما يُرسّخ المعلومات في هياكل دماغية أعمق وأكثر ديمومة، مما يُنشئ ذكريات.
بعد إتمام الإدخال والمعالجة، نكون مستعدين لتفعيل القناة الثالثة، "الإخراج". عندما تُفعّل أدمغتنا هذه الوظيفة، نكون بصدد التدرب، والشرح، والتحدث، والكتابة، والرسم، أو إنتاج نسختنا الخاصة مما تعلمناه، أو ربط الأفكار القديمة بطرق جديدة. هذه الخطوة تُرسّخ المعلومات في الذاكرة.
وليس بالضرورة أن تنتهي كل تجربة تعليمية باختبار أو بحث فصلي. ففي التعلم، لا يُعَدّ شكل المخرجات بنفس أهمية عملية التعلم المكونة من ثلاث خطوات: ١. الإدخال ٢. المعالجة ٣. المخرجات.
يشرح علم الأعصاب أحد الأسباب التي تجعل الواجبات المنزلية تستغرق وقتًا أطول الآن مقارنة بما كانت عليه عندما كنا أطفالًا: إن التبديل من وضع إلى آخر يقطع تدفق التركيز ويجعل من الصعب استعادته.
3. ساعد الأطفال على تعلم كيفية تقسيم المراحل الثلاث - عن قصد.
أشار ديك إلى أن معظم الناس لا يستطيعون التركيز جيدًا لأكثر من ١٠ أو ٢٠ دقيقة، وربما ٣٠ دقيقة كحد أقصى. بعد فترة زمنية متوقعة من الإدخال (قراءة فصل، تعلم مهارة جديدة من خبير، أو الاستماع إلى درس شفوي)، من المهم تخصيص دقيقتين أو ثلاث دقائق لمراجعة المعلومات في ذهنك والانتقال بوعي إلى مرحلة المعالجة. تساعد هذه الأنواع من الأسئلة الدماغ على المعالجة:
ما هي الفكرة الرئيسية؟ ما الدليل الذي يدعمها؟
"ما هي الكلمات الثلاث التي تصف هذا الشيء الذي أتعلمه؟"
"كيف يرتبط هذا بما أعرفه بالفعل؟"
"كيف يمكنني استخدام هذه المعلومات؟"
إن تخصيص وقت للمعالجة يُعيد تفكيرنا من القشرة الجبهية إلى الحُصين، حيث تُصنع الذكريات. إن طرح أسئلة مُعمّقة، وليس مجرد أسئلة واقعية بسيطة، على المتعلمين الصغار يُساعدهم على معالجة ما تعلموه.
لكن حتى هذا المستوى من تخزين الذاكرة له حدود، ولذلك تتعلم أدمغتنا بشكل أفضل عندما ننتقل إلى مستوى المخرجات - أي استخدام المعلومات في سياق ما نعرفه بالفعل. بدلًا من ترك هذه المراحل الثلاث تحدث (أو لا تحدث)، يمكننا التعلم بكفاءة أكبر إذا التزمنا بتنفيذ كل خطوة بالتسلسل.
4. افصله لتسريع العملية .
يُفسر علم الأعصاب أحد أسباب طول مدة الواجبات المنزلية مقارنةً بأيام الطفولة: فالانتقال من وضع إلى آخر يُشتت تركيزنا ويُصعّب استعادته. فإذا كان الطلاب يشاهدون التلفاز (حتى مع إيقاف الصوت)، وسماعات الأذن تُشغّل الموسيقى (حتى لو كانت بدون كلمات)، وهاتفهم الذكي يُصدر رنينًا بتحديثات مواقع التواصل الاجتماعي والرسائل النصية، فسيُشتّت انتباههم باستمرار عن المهمة المُوكلة إليهم.
ينطبق الأمر نفسه على البالغين في المنزل أو العمل. ليس الأمر كله في رأسك: إذا كنت تستخدم التكنولوجيا بكثرة، فإن هذه الأجهزة القيّمة تستهلك وقتك واهتمامك ونادرًا ما تُعيد إليك شيئًا. كثرة استخدام التكنولوجيا، وتركها تعمل طوال الوقت، يُطيل من وقتك. لذا، إذا كنت تعلم أن لديك أو لدى طفلك مهمة، فاستخدم تطبيقًا مثل Self Control أو Think لإيقاف المحفزات الرقمية التي تُعيقك بشكل استراتيجي. إليك بعض تطبيقات الإنتاجية التي قد تجدها مفيدة .
5. التخلص من إدمان الهاتف.
تُظهر أبحاث الدماغ أن كل إشعار جديد، أو بريد إلكتروني، أو تنبيه، أو تنبيه صوتي، أو رسالة تصل إلى صناديق بريدنا، يُمكن أن يُولّد اندفاعًا عاطفيًا قصيرًا، نتيجةً لجرعة خفيفة من الدوبامين (المادة الكيميائية العصبية المسؤولة عن الشعور بالمتعة) في أدمغتنا. كما نشعر بدفعة خفيفة من الدوبامين عند سماع أغنية مؤثرة. المشكلة؟ تُعلّمنا هذه الاندفاعات أن نمد أيدينا إلى هواتفنا، ونُحدّث الشاشة، ونضغط على التطبيقات التي نستخدمها كثيرًا لنرى الجديد. في عصر الإنترنت، هناك جديدٌ حرفيًا في كل ثانية، وبالتالي لا حدود لكمية المعلومات والمحفزات التي يُمكننا الضغط عليها.
بالتأكيد، بعضنا أطباء طوارئ، على أهبة الاستعداد دائمًا. لكن بالنسبة لبقية الناس، فإن وضع الهاتف جانبًا، وإطفائه، والابتعاد يمنح أدمغتنا فرصةً للتخلص من دافع الدوبامين والانفتاح على ما يحدث أمامنا مباشرةً. يحتاج أطفالنا إلى أن نكون قدوة لهم في إطفاء الهاتف بانتظام.
وبالنسبة للأطفال والمراهقين، قد يكون إرسال الرسائل النصية، وخاصةً في وقت متأخر من الليل، أمرًا مُرهقًا. ينصح معظم الخبراء الآباء بجمع هواتف أطفالهم قبل 30 دقيقة من موعد نومهم. لذا، اشحنوا هواتفهم بعيدًا عن غرف نوم أي شخص!
6. فهم أن اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط هو أمر حقيقي، وليس مجرد أحد أعراض عصرنا.
بعضٌ من ألمع مفكرينا يتنقلون بسهولة من فكرة إلى أخرى. ورغم براعتهم في بناء روابط جديدة، إلا أن أدمغتهم تفتقر إلى الإشارات الكهربائية القوية اللازمة لإطلاق المواد الكيميائية العصبية في المشابك العصبية لضمان استمرارية انتقال الرسائل بسلاسة.
في أدمغة المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، تُحجب إشارات كثيرة جدًا بسبب نقص النواقل العصبية، مما يؤدي إلى تشتت التركيز العميق اللازم للتعلم. بطريقة ما، يعمل دماغ المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه كدماغ يحاول جاهدًا أداء مهام متعددة، فيُسقط أفكاره.
ذكر ديك أيضًا أن أمراضًا شائعة أخرى قد تُسبب هذا النوع من الحالات: الجفاف - حتى الجفاف الخفيف - وقلة النوم، أو التوتر الشديد، تُسبب حالة نفسية تُحاكي اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. ولذلك، فإن التشخيص الدقيق لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أمرٌ مُستهلِك للوقت والجهد.
لا يزال وصف الأدوية المنشطة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه مثيرًا للجدل، إلا أن ديك شبّهه بالأنسولين لمرضى السكري. يحتاج الدماغ المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلى المزيد من الدوبامين والنورإبينفرين ليتمكن من تكوين روابط عصبية، وهو ما يُشبه تأثير الأدوية المنشطة تحديدًا.
الشيء الآخر المتعلق بالمنشطات؟ إذا كان الدماغ يعاني بالفعل من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فإن الدواء عادةً ما يكون فعالاً. إذا تناول شخص ذو دماغ طبيعي منشطات، فمن المرجح أن يشعر بالتوتر والعصبية. لكن تجربة قصيرة نسبيًا للدواء (نصفها على المنشطات ونصفها الآخر على دواء وهمي) يمكن أن تحقق نتائج سريعة. بالنسبة لـ 80% من الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب، فإن الأشكال الحالية من الأدوية فعالة عند وصفها من قبل طبيب خبير وحساس.
7. كن قدوة في اليقظة: العب مع أطفالك.
لقد منحتنا وتيرة الحياة الحديثة هدايا هائلة ولكنها تتطلب منا أيضًا أن نتجاهل بوعي المحفزات الخارجية للعالم إذا أردنا أن "نتناغم" حقًا مع تجاربنا وعلاقاتنا وفهم أعمق للمفاهيم والأفكار.
بالنسبة للبالغين، فإن تمارين اليقظة، وكتابة الشعر، والمشي في الحديقة، أو حتى ترك جميع أجهزتنا مغلقة لفترات طويلة من اليوم، يمكن أن تسمح لنا بإبطاء عقولنا إلى السرعة التي كان من المفترض أن تعمل بها.
لكن الأطفال يميلون إلى أن يكونوا أكثر انتباهًا وحضورًا أثناء اللعب، مع إطفاء الشاشات. ادعموا دماغ طفلكم النامي: ضعوا الهاتف جانبًا - كلاكما - وخصصوا وقتًا لكليكما للقيام بما تحبانه. تعمقوا، ومارسوا الألعاب الممتعة، وتواصلوا مباشرةً. دماغ طفلكم يعتمد على ذلك.

COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
2 PAST RESPONSES
Good article except for claiming ADHD is "real" when it's just a made up "illness" to push drugs on kids who are merely being.... get this.. kids. Kids are naturally attentive to what they like, and not to what they don't, my younger brother allegedly had this "illness" and had NO trouble focusing for hours on things he liked while hating school because it was boring. I got As and hated school too mostly sleeping in class, it was too easy and dumbed down, I guess I just missed the whole "illness" going around a few years later. ADHD is NOT real, just a symptom of a horrible environment(education system, society, etc.) that's not conducive to kids being taught the 1 way they are being taught, with no awareness of different learning styles or etc. Having energy is NOT an illness, and not having proper creative outlets for that energy is a symptom of the lack of any real responsibility or thought required to accomplish anything at modern schools or even in society for that matter. So, if kids have nowhere to burn their energy, of course they'll be hyperactive. And, if they have nothing worth paying attention to, of course their attention will seem to be at a "deficit." Wake up people.
[Hide Full Comment]Thank you so much for this article. I'm 64 and am so grateful that I grew up without the technology that exists today. I read, listen, and think. I have never enjoyed the practice of multi-tasking. Yes, sometimes it is needed - but - it should be the exception, not the norm. Relationship building is on the slide because of reliance on computers and devices. I miss hearing a person's voice versus an e-mail (I'm a holdout with texting - incorrect spelling to save space annoys me). I hope your suggestions encourage parents and grandparents to teach kids (and themselves) that there is so much more to life than being a slave to their unit.