مقتطف من محاضرة عامة ألقاها ج. كريشنامورتي في باريس، 27 مارس 1965
السؤال: هل معرفة أن الحياة غير دائمة تؤدي إلى المعاناة؟
كريشنامورتي: صحيح يا سيدي. لكن من الحقائق أن الحياة زائلة، أليس كذلك؟ علاقاتك زائلة، وأفكارك زائلة، وتحقيقك لذاتك، وطموحاتك وإنجازاتك زائلة، لأن هناك موتًا. ولماذا يُعاني المرء من الزوال؟ الحقيقة هي أن الزوال موجود. إنه كذلك. لكنك لا تريد قبول هذه الحقيقة، وتقول: "لا بد من وجود شيء دائم". لديك تصور عن ماهية الزوال، ولذلك، عندما تواجه الزوال، ينتابك شعور باليأس. أنت تُبعد الموت، وهو جوهر الزوال، عنك، فتوجد فجوة بينك وبين ما تُسميه موتًا. ها أنت ذا، تعيش كل يوم، تُواصل روتينك، وهمومك، وإحباطاتك، وطموحاتك، وهناك موتٌ في الأفق؛ وتفكر في ذلك. لقد رأيت الموت، وتعلم أنك ستموت أيضًا يومًا ما، وتفكر في ذلك. إن فكرة المستقبل على أنه غير دائم هي التي تولد الخوف. يرجى الاستماع إلى هذا. ولكن إذا جلبت الموت - الذي وضعته في المستقبل - إلى الحاضر وأنت نشيط وحيوي وقوي وغير مريض، فأنت تعيش مع الموت؛ أنت تموت في كل دقيقة لكل ما تعرفه. ففي النهاية، فقط ما ينتهي يمكن أن تكون له بداية جديدة. انظر إلى الربيع. عندما يأتي الربيع بعد الشتاء الطويل، توجد أوراق جديدة، يوجد شيء طازج، رقيق، شاب، بريء. لكننا نخشى النهاية؛ والنهاية، في النهاية، هي الموت. خذ شيئًا واحدًا فقط، شيئًا يمنحك متعة كبيرة، أو ألمًا كبيرًا؛ خذ ذكرى لديك عن شخص ما، ذكرى تسبب لك الألم أو المتعة، وأنهها، مت لها، ليس غدًا، ولكن على الفور. عندما تفعل ذلك ستجد شيئًا جديدًا يحدث، حالة ذهنية جديدة تتشكل. لذا لا يوجد خلق إلا عندما يتوقف القديم.
***
لا أعلم إن كنتم قد لاحظتم خلال جولاتكم بركة طويلة وضيقة بجانب النهر. لا بد أن بعض الصيادين حفروها، وهي غير متصلة به. يتدفق النهر بثبات، عميقًا وواسعًا، لكن هذه البركة مليئة بالزبد لأنها غير متصلة بحياة النهر، ولا توجد فيها أسماك. إنها بركة راكدة، والنهر العميق، المفعم بالحياة والحيوية، يتدفق بسرعة.
ألا تعتقد أن البشر كذلك؟ يحفرون لأنفسهم بركة صغيرة بعيدًا عن تيار الحياة المتدفق، وفي تلك البركة الصغيرة يركدون ويموتون؛ وهذا الركود، هذا الاضمحلال، نسميه الوجود. أي أننا جميعًا نريد حالة من الديمومة؛ نريد أن تدوم رغباتنا إلى الأبد، وأن لا تنتهي ملذاتنا. نحفر حفرة صغيرة ونحاصر أنفسنا فيها مع عائلاتنا، وطموحاتنا، وثقافاتنا، ومخاوفنا، وآلهتنا، وعباداتنا المتنوعة، وهناك نموت، تاركين الحياة تمضي - تلك الحياة الزائلة، المتغيرة باستمرار، السريعة، ذات الأعماق الهائلة، والحيوية والجمال الاستثنائيين.
ألم تلاحظ أنك إذا جلست بهدوء على ضفاف النهر تسمع أغنيته - خرير الماء، وصوت التيار المتدفق؟ هناك دائمًا شعور بالحركة، حركة غير عادية نحو الأوسع والأعمق. لكن في البركة الصغيرة لا توجد حركة على الإطلاق، فمياهها راكدة. وإذا راقبت سترى أن هذا ما يريده معظمنا: برك صغيرة راكدة من الوجود بعيدًا عن الحياة. نقول إن وجودنا في البركة صحيح، وقد ابتكرنا فلسفة لتبرير ذلك؛ لقد طورنا نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية لدعمه، ولا نريد أن نضطرب لأننا، كما ترى، ما نسعى إليه هو شعور بالديمومة. هل تعرف ما معنى السعي إلى الديمومة؟ إنه يعني الرغبة في استمرار اللذة إلى أجل غير مسمى والرغبة في زوال ما هو غير ممتع في أسرع وقت ممكن. نريد أن يُعرف اسمنا الذي نحمله وأن يستمر من خلال العائلة والممتلكات. نحن نريد إحساسًا بالاستمرارية في علاقاتنا، وفي أنشطتنا، وهذا يعني أننا نسعى إلى حياة دائمة ومتواصلة في البركة الراكدة؛ نحن لا نريد أي تغييرات حقيقية هناك، لذلك قمنا ببناء مجتمع يضمن لنا استمرارية الملكية، والاسم، والشهرة.
لكن كما ترى، الحياة ليست كذلك إطلاقًا؛ الحياة ليست دائمة. كالأوراق المتساقطة من الشجرة، كل شيء زائل، لا شيء يدوم؛ هناك دائمًا تغير وموت. هل لاحظتَ يومًا شجرةً عاريةً تقف أمام السماء، ما أجملها؟ جميع أغصانها مُحددة، وفي عُريها قصيدة، أغنية. كل ورقةٍ تذبل، وهي تنتظر الربيع. وعندما يأتي الربيع، يملأ الشجرة من جديد بموسيقى أوراقٍ كثيرة، تتساقط في موسمها وتتطاير؛ وهذه هي طبيعة الحياة.
لكننا لا نريد شيئًا من هذا القبيل. نتمسك بأطفالنا، بتقاليدنا، بمجتمعنا، بأسمائنا وفضائلنا الصغيرة، لأننا نريد الديمومة؛ ولهذا نخشى الموت. نخشى فقدان ما نعرفه. لكن الحياة ليست كما نتمناها؛ الحياة ليست دائمة على الإطلاق. تموت الطيور، ويذوب الثلج، وتُقطع الأشجار أو تُدمرها العواصف، وهكذا. لكننا نريد أن يكون كل ما يُرضينا دائمًا؛ نريد أن يدوم مركزنا، وسلطتنا على الناس. نرفض قبول الحياة كما هي في حقيقتها.
الحقيقة هي أن الحياة كالنهر: تتدفق بلا نهاية، تبحث باستمرار، تستكشف، تدفع، تفيض على ضفتيها، تخترق كل شق بمائها. لكن، كما ترى، العقل لا يسمح بحدوث ذلك لنفسه. يرى العقل أنه من الخطر والمجازفة العيش في حالة من عدم الثبات وانعدام الأمن، لذلك يبني جدارًا حول نفسه: جدار التقاليد، والدين المنظم، والنظريات السياسية والاجتماعية. العائلة، والاسم، والممتلكات، والفضائل الصغيرة التي زرعناها - كل هذا داخل الجدران، بعيدًا عن الحياة. الحياة تتحرك، غير دائمة، وتحاول بلا كلل اختراق هذه الجدران، وهدمها، التي خلفها يوجد ارتباك وبؤس. الآلهة داخل الجدران كلها آلهة زائفة، وكتاباتهم وفلسفاتهم لا معنى لها لأن الحياة تتجاوزهم.
الآن، عقلٌ بلا جدران، عقلٌ لا يُثقله اقتناءاته وتراكماته ومعرفته الخاصة، عقلٌ يعيش بلا حدود، بلا أمان - بالنسبة لهذا العقل، الحياة شيءٌ خارق. عقلٌ كهذا هو الحياة نفسها، لأن الحياة لا مأوى لها. لكن معظمنا يريد مأوى؛ نريد منزلًا صغيرًا، اسمًا، منصبًا، ونقول إن هذه الأشياء بالغة الأهمية. نطالب بالديمومة وننشئ ثقافةً قائمةً على هذا المطلب، ونخترع آلهةً ليست آلهةً على الإطلاق، بل مجرد إسقاطاتٍ لرغباتنا.
العقل الذي يسعى إلى الاستقرار سرعان ما يركد؛ كالبركة على ضفة النهر، سرعان ما يمتلئ بالفساد والانحلال. وحده العقل الذي لا جدران له، ولا موطئ قدم، ولا حواجز، ولا مأوى، بل يتحرك بكامل طاقته مع الحياة، ويمضي قدمًا بلا حدود، ويستكشف، ويتفجر - وحده هذا العقل يمكن أن يكون سعيدًا، متجددًا إلى الأبد، لأنه مبدع في ذاته.
COMMUNITY REFLECTIONS
SHARE YOUR REFLECTION
1 PAST RESPONSES
Good article..